

آمال المناعي
حولت العمل الاجتماعي من المبادرات الفردية إلى بناء مؤسسي منظم، وجعلت خدمة الفئات الأكثر احتياجًا مسؤوليةً مستدامة.
النسخة النسائية الثانية · 2024 · الصفحات 10–17
آمال عبد اللطيف المناعي، الرئيسة التنفيذية السابقة للمؤسسة القطرية للعمل الاجتماعي.
بيت تتشكل فيه روح الخدمة
ولدت وسط عائلة قطرية تقليدية عائلتها مكونة من سبعة أبناء أربع بنات وثلاثة أولاد، والدها – رحمه الله – كان أول مدرس قطري في منطقة الشمال أثر بشكل كبير وخاص في شخصيتها نظرًا لقدرته العالية على استشراف المستقبل وقراءة المؤشرات وتحليل الواقع، وقد اكتسب هذه المهارات من تجاربه الحياتية والمهنية الثرية إذ انتقل على مدار مسيرته المهنية للعمل في أكثر من مكان داخل الدوحة، وبعدها استقر في وزارة التربية والتعليم وبعد ذلك في مجلس الشورى، وهو شخص محب للسفر غرس هذا العشق والشغف في أبنائه، ورغم كونه شخصًا حكيمًا رصينًا إلا أنه كان مغامرًا فضوليًا مقبلًا على الحياة والتجارب الجديدة والاكتشاف.
نظرًا لكون الحفيدة الأولى في العائلة فقد أثار اختيار اسمها جدلا بين جدتيها، جدتها من جهة الأب أصرت على تسميتها مريم تيمنًا بوالدتها، بينما تمسكت جدتها من جهة الأم باسم على اسم أول مديرة مدرسة للبنات في قرية أبو ظلوف مسقط رأس قبيلة المنانعة في قطر، وكانت سيدة قيادية صاحبة شخصية قوية، كانت جدتها تحب المرأة القوية وتتمنى أن تسير حفيدتها على خطى تلك التي كانت لها بصمة مميزة وشخصية استثنائية، وفي النهاية فازت جدتها وسميت الحفيدة.
العلم يسند العمل الاجتماعي
درست جميع المراحل الدراسية في مدارس قطرية حكومية فدرست السنوات الابتدائية في مدرسة المتنزه والإعدادية والثانوية في مدرسة آمنة بنت وهب، كانت مقربة من معلماتها بفضل شخصيتها الاجتماعية، فكانت تقضي الكثير من الوقت في غرفة المدرسات وتقلدهن في لباسهن.
في المرحلة الإعدادية لم تكن مهتمة بقضاء الوقت مع رفيقاتها في الصف بل كانت تراقب فتيات المرحلة الثانوية نظرًا لكون المدرسة كبيرة وتشمل المرحلتين الإعدادية والثانوية وكانت تجد نفسها مع الفتيات الأكبر سنا، واختارت التخصص العلمي وهو ما شكل تحديًا تطلب منها اجتهادًا كبيرًا وتركيزًا أكبر وقد حصدت ثمار جهدها من خلال الحصول على مجموع كبير وكانت تنوي دراسة الطب في بريطانيا وقد كان والدها قد وعدها بالسماح لها بتحقيق حلمها، لكن بعد التخرج من الثانوية صدمت برفض والدها – رحمه الله – سفرها وكان الرفض لطيفًا لدرجة أنها لم تتمكن من مجادلته، حيث كان يقول لها إنها شمعة بيته ولا يمكن له أن يسمح لها بالابتعاد عنه، ورغم الحسرة على ضياع الحلم إلا أنها تقبلت الأمر الواقع بكل مرارة، وشعرت بالمرارة تجاه العادات والتقاليد التي وقفت عائقًا أمام طموحها لا سيما أن جميع زميلاتها سافرن.
بعد رفض والدها السماح لها بالسفر دخلت كلية العلوم بجامعة قطر، ولكنها لم تجد نفسها في المعامل، فانتقلت بعدها لتخصص آخر وهو دراسة اللغة الإنجليزية وبعد فترة بسيطة توجهت نحو الاقتصاد، كل هذا كان في رحلة البحث عن الذات والشغف إلى أن رست في النهاية في التخصص الذي يتناسب مع شخصيتها ويخدم طموحها، وخلال فترة الجامعة وفرت تركيزها للدراسة فلم تكن تشارك في أي نشاطات على عكس شخصيتها.
المحطة المهنية الأولى في التعليم
بعد التخرج مباشرة عملت مدرسة لمدة سنتين في مدرسة خليفة الثانوية تعلمت فيهما الكثير حيث أصبحت إنسانة نشيطة اجتماعيًا ومبادرة وكانت قريبة من الطالبات وكأنها واحدة منهن ووجدت سعادتها في النشاطات الداخلية في المدرسة واندفعت للمشاركة في أنشطة مركز أصدقاء البيئة وأسهمت في حملات توعوية في المدارس وشاركت في صنع أكبر سيجارة لجمع أعقاب السجائر ضمن حملة توعوية لمحاربة التدخين في قطر، واستفادت بشكل كبير من العمل تحت إدارة عائشة بنت عبد الله الأنصاري التي كانت في الوقت نفسه نائب رئيس مجلس إدارة دار تنمية الأسرة، ورشحت اسمها للعمل في مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع وتحديدًا في دار تنمية الأسرة بعد أن لاحظت ميولها للعمل الاجتماعي.
العمل الاجتماعي
سنة 1997 م بدأت مسيرتها في مجال العمل الاجتماعي وشعرت أنها في مكانها المناسب وأنها لا يمكن أن تكون وتنجح في غير العمل الاجتماعي المليء بالتحديات وأيقنت أن الله اختار لها أفضل مما كانت ستختار لنفسها وأن كل المراحل السابقة هيأتها لتنطلق في المجال الذي يمثل شخصيتها.
في السنوات الأولى من (1997–1999) وبينما كانت تخطو خطواتها الأولى في العمل الاجتماعي وتتحسس طريقها وكانت رغم شخصيتها الجريئة إلا أنها متخوفة بسبب طبيعة المجتمع المتحفظ، وهو ما جعلها حذرة وأكثر دقة في اتخاذ القرارات والخطوات، وتمكنت من فرض احترامها كشخص واحترام مقاصدها التي تسعى لتحقيقها في جميع المؤسسات التي زارتها ومختلف الأطراف التي تعاملت معها.
وقد خاضت خلال هذه المرحلة غمار العمل الميداني فكانت تتلمس خطواتها بكل حرص وهو ما جعلها تحرص على تنظيم المبادرات والفعاليات التي من شأنها تعزيز العمل الاجتماعي ورفع الوعي المجتمعي بأهمية العمل التطوعي وقد توالت هذه المبادرات بدءًا بالمعرض الأول لسيدات السلك الدبلوماسي لتشجيع بقية السيدات في المجتمع على المشاركة في فعاليات تدبير التمويل اللاحقة، حيث إن زوجات السفراء لهن ثقافات وتوجهات مختلفة من حول العالم، وتمكنت وطاقم العمل من جمع السيدات والاستفادة منهن، وبذلك استحدثت السوق الدبلوماسي الخيري سنة 1999 م على هامش إطلاق دار تنمية الأسرة بحضور ورعاية صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، وتوالت المبادرات وأهمها حملة كفو (التوعوية) لدعم العمل التطوعي، حفل العشاء الخيري لتدبير التمويل للخدمات الإنسانية التي يقدمها المركز لحالاته وفئاته المجتمعية، إنشاء الأوقاف التي تضمن استدامة الخدمات مثل وقف البلسم ووقف مجمع البر وغيره من المشاريع الوقفية، ومن المبادرات كذلك مصنع الشيخة هيا لتوفير فرص عمل للسيدات، وأكاديمية قطر العالمية للتجميل لتدريب البنات في هذا المجال لتيسير فرص العمل لهن، وحاضنة قطر لرواد الأعمال بالشراكة مع بنك التنمية لتشجيع الشباب لولوج مجال ريادة الأعمال والاعتماد على الذات هذا من جانب مركز الإنماء الاجتماعي، أما خلال الخمس سنوات الأخيرة من مسيرتها المهنية فقد كرستها في تنظيم وإعادة تنظيم المؤسسة القطرية للعمل الاجتماعي والمراكز الاجتماعية المنضوية تحت مظلتها.
التطور ومواصلة تحصيل العلم
تحدي العمل الميداني شجعها على دراسة الإدارة وبالفعل سجلت في بريطانيا بجامعة لندن في دبلوم الإدارة لمدة تقل عن السنتين وقدمت البحث الذي كان الفصل الأول لاستكمال الدراسات العليا وسنة 2001 م سافرت للولايات المتحدة الأمريكية في برنامج مكثف جابت خلالها سبع ولايات أمريكية اطلعت فيها على كيفية إدارة المشاريع الاجتماعية التنموية في مختلف المنظمات التي تهتم بكل فئات المجتمع الهشة، هذه السفرة التي كانت محطة مهمة في مسارها المهني وغيرت نظرتها للعمل الاجتماعي.
وواصلت طموحها بالحصول على الماجستير سنة 2006 م في الجامعة الأمريكية ببيروت لمدة سنتين، وقد لاقت صعوبات جمة في هذه المرحلة نظرًا لالتزاماتها المهنية في دار الإنماء الاجتماعي التي كانت تشهد مرحلة ازدهار عمل هذه المؤسسة التي نجحت في تغيير المسارات الاجتماعية بدولة قطر، لكنها نجحت في خوض التحدي وحصلت على الماجستير في العام 2008 رغم الضغوطات النفسية والإرهاق الجسدي الذي مرت به.
أثر يتحول إلى مؤسسة
أهم إنجازاتها التي تفخر بها المساهمة في التحول بالعمل الاجتماعي الذي كان قبل عقدين من الزمن يعتمد على العفوية في التنفيذ وعدم الاستدامة في تقديم الخدمة وعدم التخصص في الفئة الاجتماعية ونوعية الخدمات المقدمة، فأصبح العمل الاجتماعي أكثر تنظيمًا وحوكمة وأصبحت له أهداف ورسالة ورؤية محددة لأطر العمل في كل المؤسسات الاجتماعية، أيضًا ساهمت في وضع خطط عمل متوسطة وطويلة المدى وأدوات قياس لما تم تنفيذه وأيضًا تصور سبل التطوير في المستقبل، وهو ما أوجد منظمات مجتمع مدني ومؤسسات اجتماعية تتميز بالاستدامة والعمل المنتظم.
وتفخر بضمها للجنة تحكيم جائزتي الدولة التقديرية والتشجيعية، وجائزة «أخلاقنا» التي تعد مبادرة مميزة كان لها تأثير في نفوس الشباب وهي مبادرة من صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر.
أما أهم نجاحات فتتمثل في تسجيل المؤسسة ومراكزها في المجلس الاقتصادي والاجتماعي بالأمم المتحدة بمقعد استشاري مما يمثل إنجاز كبير للمجتمع المدني بدولة قطر ككل.
رؤية صاحبة السمو تنير طريقها
تأثرت كثير بصاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر في مؤسسة قطر، التي شجعت على جعل المجتمع القطري نموذجًا فريدًا ومختلفًا يخلق التغيير والتجديد فكانت معظم إنجازاتها نابعة من رؤية صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر التي أوجدت أول مركز اجتماعي كانت رؤيتها تقضي بتنظيم القطاع الاجتماعي وتحديد رسالته والتميز بالاستدامة والخدمات النوعية.
الخدمة الاجتماعية في مواجهة العوائق
شهدت خلال مسيرتها العديد من المواقف التي مثلت عقبات غيرت مسارها بشكل جذري فكان أول العوائق المجتمع الذكوري الذي يفرض صورًا نمطية عن المرأة يصعب كسرها أو تغييرها والعائلة المحافظة التي لطالما كانت تدعوها للرجوع إلى الوراء والابتعاد عن الأنظار والعيون لا سيما والدها وأخوها، لكنها تعاملت مع هذه التوجيهات بحكمة وتأني ومع ذلك كانت دائمًا في الصفوف الأمامية متقدمة في كل شيء، لكن هذه الشخصية القوية والواثقة فرضت وجودها وأثبتت تميزها لدرجة أن والدها أصبح بعد ذلك داعمًا لطموحها لا سيما بعد الانفتاح والتغيرات الاجتماعية والثقافية التي شهدتها قطر في تسعينيات الألفية الماضية، حيث تلمس فيها مؤشرات النجاح.
ورغم كثرة التحديات على أكثر من مستوى لكنها اعتبرت المصاعب مجرد عائق يمكنك تجاوزه من خلال الدراسة وطرق أبواب جديدة وبطرق مختلفة، بالنسبة لها ليس هناك مشكلة دون حل، فكانت تضع سيناريوهات لكل ردة فعل.
أيضًا مثل الظهور في الإعلام شكل لها تحديًا من نوع آخر حيث كان ظهورها الإعلامي الأول في افتتاح المجمع التجاري سيتي سنتر للشيخ فيصل بن قاسم الذي يعد من أهم الداعمين للمرأة والعمل الاجتماعي في قطر، وقد خصص للدار ركنًا لعرض بعض منتجات الأسر المنتجة، وقد حضر سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الافتتاح وظهرت في الصورة في لحظة قص شريط الافتتاح، وتم نشر صورتها في الصحف في اليوم التالي، وخشيت أن الصحف تقع بين أيدي إخوتها فقامت تجمع كل النسخ وتخفيها، وقد حبست نفسها في الغرفة طول اليوم خوفًا من ردة فعلهم، وبعد ذلك تغلبت على هذا التحدي بالإقناع وقوة الإنجاز وقد لقيت دعمًا كبيرًا من والدها رحمه الله.
التكريم والاعتراف بالإنجاز
إنجازاتها وإسهاماتها في العمل المجتمعي شدت عيون المجتمع ليس القطري فحسب وإنما الخليجي بصفة عامة فحصلت على الجائزة السنوية لرواد المجتمع المدني سنة 2011 م على مستوى دول التعاون الخليجي وتم تقديمها لها في سلطنة عمان من خلال منظمة تواصل، وفي سنة 2013 م حصلت على جائزة المرأة العربية من فئة إنجاز العمر تقديرًا لخبرتها وتجربتها الواسعة في مجال استدامة رفاه المجتمع وأفراده.
ومن بين المحطات الإيجابية التي منحتها شعور الرضا بالذات تكريمها سنة 2014 م في حفل رفيع المستوى حيث حازت فيه على وسام الامتياز لأمانة دول التعاون الخليجي عن فئة القادة لإسهاماتها في مجال العمل الشبابي والتمكين المجتمعي لهم.