آمال عراب
دليل الشخصيات ←

آمال عراب

حملت العربية من الشاشة إلى الحياة اليومية، وجعلت من الكلمة الصحيحة رسالةً عصريةً تعبر الحدود.

النسخة النسائية الثانية · 2024 · الصفحات 18–25

آمال عراب، مذيعة وصحفية في تلفزيون العربي، ومقدمة برامج حوارية وفكرية. سخرت حضورها الإعلامي لتقديم الموروث الثقافي بأسلوب عصري يبرز جمال اللغة العربية ويعزز مكانتها.

طفولة على ضفاف العربية

ولدت في مدينة وهران الجزائرية سنة 1987 م داخل منبت معطاء وخصب وسط خمسة من الإخوة الشباب ووالدين محبين للعلم والتعليم والثقافة والأدب حريصين على زرع الأخلاق وحب اللغة العربية والأصول والعادات وكل ما يجعل أبناءهما يتمسكون بهويتهم، فرغم أن اهتمامات والدها تنصب بالأساس على العلم والاقتصاد إلا أن اهتمامات الأم كانت موجهة للغة العربية والأدب كونها أستاذة لغة عربية وعلوم دين، فوجهت دفة اهتمامات ابنتها لنفس الوجهة، فنشأت في أجواء ثقافية محفزة، فكانت الأم تقيم مسابقات القراءة بين أبنائها وتكافئ من يقرأ أكبر عدد من الكتب، وهو ما خلق جوًا من التنافس، وحرص والدها على إطلاع أبنائه على الثقافات الأخرى لزراعة قيم استيعاب وتقبل الاختلاف سواء بالسفر أو من خلال مشاهدة الأفلام الوثائقية عن الثقافات الأجنبية وهو أسهم في بناء شخصية متسامحة متقبلة للاختلاف تحترم الآخر، وكان البيت يزخر بالكتب لكبار الأدباء والمجلات العربية، فقرأت كتاب «الأيام» لطه حسين عندما كانت تبلغ من العمر ثلاثة عشر ربيعًا، وكان الاستماع للإذاعة صباحًا ومساءً عادةً في المنزل الذي تعبق منه رائحة العلم ويشع منه نور الثقافة، وتجتمع العائلة مساءً لمناقشة الأفكار حول الكتب التي قرأها كل فرد من أفرادها، ما جعل الجلسات العائلية قريبة من الأمسيات الثقافية، وشجع الطفلة على المشاركة في عدد من المسابقات، التي فازت بها في مجالات الإلقاء والشعر والأدب.

هذه الأجواء العائلية أسهمت بشكل كبير في بلورة الاهتمام بالجانب الثقافي وخلق دافع للاجتهاد والتعلم، وحرص الوالدان على توطيد علاقة الأبناء بأفراد العائلة الموسعة، فتأثرت كثيرًا بشخصية جدتها التي كانت تلقي الشعر النبطي رغم أنها لا تحسن القراءة والكتابة، وقد وجدت الجدة في أبنائها وأحفادها جمهورًا من المعجبين على رأسهم آمال، التي عقدت معها صفقة تقضي بتعليم الجدة الحروف العربية مقابل تحفيظها القرآن الكريم وإلقاء بعض من أشعارها الجميلة على مسامعها، فتتسامران وتقضيان أوقاتًا جميلة في البستان بين الأشجار، رسخت هذه اللحظات في ذهن آمال، ونقشت بعضًا من أبيات الجدة في جدران الذاكرة.

هذه العلاقات الوطيدة مع أفراد العائلة الموسعة والحوار المستمر وعلاقة المودة والألفة حددت رؤيتها لمختلف قضايا الحياة، فكانت تطرح عليها قضايا تتجاوز عمرها وهو ما أسهم في صقل فهمها ووعيها.

بعد الحصول على الثانوية العامة «البكالوريا» في الجزائر بمعدل عالٍ التحقت بكلية الحقوق والعلوم الإنسانية، تخصص قانون وعلوم إدارة وسياسة، وكانت تتوي دخول المدرسة العليا للقضاء، لكن شغفها بالإعلام قادها لمسار مختلف، ورغم ذلك فإن خلفيتها القانونية خدمتها بشكل كبير في مسيرتها الإعلامية.

وتعززت الموهبة وصقلت القدرات في مجال الإعلام من خلال المشاركة في العديد من الدورات التدريبية في مجال الإعلام مع العديد من مراكز التدريب العالمية.

من الجزائر إلى أول ميكروفون

بدأت العلاقة بين والإعلام في عمر صغير من خلال انخراطها في العمل الإذاعي، عن طريق الإذاعة المدرسية، ثم لعبت الصدفة دورها بعد زيارة أحد المسؤولين في الإذاعة المحلية للمدرسة ولاحظ الموهبة التي تمتلكها وأعجب بصوتها وبأدائها فاقترح عليها وقتها تقديم برنامج إذاعي كان اسمه «الصحفي الصغير»، فوافقت دون تفكير وعندما وصلت إلى البيت أخبرت والديها بالاقتراح وجدت منهما التشجيع المطلق.

ومنذ وطأت قدميها الصغيرتين استوديو الإذاعة علمت يقينًا أنها تنتمي إلى هذا المكان، وقد تلمست طريقها في الإعلام من خلال هذه التجربة الثرية والتأسيسية، إذ تعرفت إلى العمل الإذاعي والصحفي عن قرب، وحملت اللواء منذ ذلك الحين، ووجدت دعمًا كبيرًا من الإعلاميين الكبار، فعملت معهم جنبًا إلى جنب، يصححون كتاباتها وأخطاءها دون مجاملة.

سنة 2009 م وفي ربيعها الحادي والعشرين، بدأت محطتها الاحترافية الأولى من الإذاعة الوطنية بالجزائر، قدمت النشرات الرئيسية وبرامج سياسية وثقافية حوارية، إضافة إلى تغطيتها لأبرز الأحداث والزيارات الدولية، وخرجت إلى الميدان وكانت لها تجارب في صناعة التقارير الصحفية والاختلاط بالحالات الاجتماعية التي كتبت عنها. قدمت كذلك النشرة الرئيسة التي يستمع إليها رئيس الجمهورية، وطرحت العديد من المواضيع الدسمة والمعقدة، وليس من النوع الذي يمر بسهولة في مسيرة الصحفي.

تعرفت بشكل أعمق على دواليب صناعة القرار والإنتاج الصحفي، واقتربت من مراكز صنع القرار ودخلت إلى عالم الوثائقيات والإنتاج الوثائقي من خلال مواكبتها الوثائقيات التي تنتجها بعض المحطات الجزائرية بالتعاون مع شركات الإنتاج، وهو ما أكسبها خبرة أكبر فيما يتعلق بالقواعد اللغوية والإلقاء، هذه التجربة الثرية فتحت لها الأبواب للانتقال إلى محطات أهم في عالم الإعلام.

السفر بوابة المعرفة

في عمر الثانية والعشرين، أيقنت أنها قادرة على التحليق في آفاق أرحب وقررت السعي لتحقيق طموحها بعد أن وجدت تشجيعًا من والدها الذي آمن بقدراتها ودعم حلمها بالخروج من جلباب الصحافة المحلية، فضلًا عن عشقها للاطلاع على ما يحدث خارج خريطة الجزائر. هذا الاستقلال في عمر مبكر جدًا كان من بين اللحظات الفاصلة، إذ استوعبت أن الحياة أكبر من حضن العائلة وأخشن من نعومة كف الأم وأصعب من الحياة الأسرية والعلاقات السلسلة البسيطة أو اليسيرة، كانت قبل ذلك تعتمد بشكلٍ كبير على والدها الذي يرافقها ويعبد الطرق أمامها، وفي كل مرحلة من مراحل الحياة كان هناك شلال من الدروس.

سلكت طرقًا مختلفة وسافرت للمعرفة والعمل في بلدان وميادين غير مألوفة، فعملت في إيران ولبنان والأردن في بداية مسيرتها، واقتربت من مواضيع حساسة في الأخبار والسياسة واختلطت بأشخاص من بيئات وثقافات مختلفة، وهو ما شكل الصدمة الأولى التي أصبحت بعد ذلك تجربة ثرية عمقت معارفها ووسعت رؤيتها للأشياء وتحولت إلى منبع كبير من المعرفة والمهارات.

الدوحة تحتضن الصوت

قضت سبع سنوات في لندن كانت المصنع والمصقل الأكبر لشخصيتها ورؤيتها للأمور ولاختبار قدراتها ورسم اتجاهات تفكيرها في الحياة. قابلت وحاورت شخصيات كثيرة من صانعي القرار في العالم العربي وأوروبا، ورصدت عددًا من الأحداث العالمية البارزة كالانتخابات الرئاسية الأمريكية والإيرانية وغيرهما، ورصدت ميدانيًا بدايات الثورات العربية والحراك الشعبي في دول عدة.

بعد أن شربت من ينابيع المعرفة والثقافة في دول عدة وأطلت بعيني الحياد على العديد من القضايا حول العالم كان مستقر في الدوحة وهي المحطة التي ما زالت مستمرة فيها.

ومنذ أن حطت الرحال في دولة قطر قررت الاستقرار حيث شعرت بالأمان والدفء في أحضان قطر، ووجدت في الدوحة كل ما يسر ناظريها ويغذي شغفها ويشبع طموحها لا سيما أنها وجدت في ربوع قطر مزيجًا ساحرًا بين الأصالة والمعاصرة واهتمامًا كبيرًا باللغة العربية وهو ما وافق روحها بشكل كبير، وقد كانت فرصة مهمة للاقتراب من الملفات العربية نظرًا لأهمية موقع قطر في القارة الآسيوية وفي خريطة الدول العربية، وهي تشعر بالامتنان الكبير للدوحة التي كانت ملهمة لها ومحفزة لموهبتها ونقطة تحول مهمة في مسيرتها وحياتها لا سيما أنها بدأت فيديوهات اللغة العربية بعد أن استقرت بها.

لغةٌ تتحول إلى رسالة

تعتبر أن الإنجاز عندما يشعر الشخص أنه لم ينجز ما يكفي وأنه ما زال في جعبته أكثر مما قدم، وأن من سمات النجاح عدم تضخيم الإنجاز بل التواضع، وهو ما يجعلها حريصة على العطاء دون توقف، لكنها في الوقت نفسه لا تقلل من أثر الأشياء الإيجابية وتأثيراتها، سواء في العمل أو الحياة الإنسانية، وترى أن التفاصيل الصغيرة الإنجاز الحقيقي وتسعد عندما توفق في حلقة أو سؤال. تمكنت في السنوات الأخيرة من عمرها الصحفي من تقديم برامج حوارية كثيرة، ومتابعة أحداث كبرى ميدانيًا أو من داخل الاستوديو، وواكبت الثورات العربية منذ بدايتها من دول كثيرة.

فتح لها برنامج «تقدير موقف» آفاقًا كبرى نحو عالم الأبحاث ودراسة السياسات وهي تعتمد في تقديمها وتحضيرها على أوراق بحثية لأكاديميين يدركون جيدًا -بطريقة علمية وأكاديمية- المعطيات الحقيقية والتاريخية التي أدت إلى الخبر محور الحلقة. لكن الإنجاز الأكبر بالنسبة لها يتمثل في تغيير أفكار المجتمع بشكل إيجابي.

لقيت المقاطع المصورة (الفيديوهات) التي تنشرها على مواقع التواصل الاجتماعي بين الفينة والأخرى تفاعلًا كبيرًا وصدى إيجابيًا إذ تتناقلها وتنشرها صفحات ومجموعات عدة وتلقى ترحيبًا.