علي عبد الستار
دليل الشخصيات ←

علي عبد الستار

حمل الأغنية القطرية إلى مسارح بعيدة، وجمع بين الموهبة والدراسة والعمل حتى صار صوته ذاكرةً فنية.

النسخة الرجالية · 2024 · الصفحات 36–43

علي عبد الستار إبراهيم البشري، فنان ومطرب قطري وصوت بارز في الأغنية القطرية، متفرغ للفن وتمثيل قطر في المهرجانات الثقافية والفنية بقرار من صاحب السمو الأمير الوالد خلال تسعينيات القرن الماضي. عمل مراقبًا للسينما في تلفزيون قطر، وأسس إذاعة «حبايب إف إم» واستوديوهات علي عبد الستار للصوت والصورة.

النشأة والطفولة

ولد في منطقة مشيرب وترعرع في فريج الغانم القديم بالقرب من مدرسة خالد بن الوليد الابتدائية آنذاك وسوق الذهب الآن، عاش طفولة جميلة وبسيطة محاطًا بمجموعة من الأصدقاء الموهوبين والمجتهدين الذين أصبح لهم اليوم شأن كبير، على رأسهم سعادة الوزير حسن عبد الله الغانم، وسعادة السفير إبراهيم السهلاوي.

تربى على أسس دينية صلبة حيث كان أخوه محافظًا وحريصًا على الحفاظ على العادات والتقاليد، وكان معارضًا لأي أنشطة فنية نظرًا لكونه خريج المدينة المنورة.

كان من بين جيل المحظوظين الذين عاصروا مرحلة وضع لبنة المؤسسات الحديثة للدولة والاهتمام الكبير بالتعليم، ففي المرحلة الابتدائية، كانت المدارس توزع الملابس في الصيف والشتاء على الطلبة لتشجيعهم على الدراسة، وكانت الدولة حريصة على توفير جميع الظروف الملائمة للطلبة لمواصلة تعليمهم من أكل وملبس وقرطاسية ورواتب رمزية تشجيعًا لهم، ويوفرون لهم الطعام في قسم التغذية التابع لوزارة التربية.

وخلال طفولته ربطته علاقة صداقة بالمطرب الإماراتي الراحل جابر جاسم الذي درس معه في المراحل الابتدائية وكان يتميز بصوت جميل وكانا يتنافسان في تلاوة القرآن.

ومن أبرز المواقف التي أثرت به في مرحلة بناء الشخصية انتقال العائلة من «فريج الغانم القديم» إلى «فريج الغانم الجديد»، الذي كان حيًا راقيًا يسكنه كبار الإعلاميين والفنانين والمثقفين، من بينهم المذيع عبد العزيز محمد، والدكتور حسن رشيد، والفنان محمد رشيد، والفنان التشكيلي عيسى الغانم، وكانوا يجتمعون للنقاش بخصوص طموحاتهم وأحلامهم، ولا يفوتون فرصة للعب كرة القدم حيث أوجدوا لنفسهم كيانا رياضيًا خاصًا وأقاموا دوريات داخلية تجمعهم بأبناء حي براحة الجفيري. طموح هؤلاء الصبية من جيل الطفرة ونشاطهم والرعاية التي وجدوها من الدولة التي حرصت على نيل أبنائها جرعات كبيرة من العلم والثقافة والطموح والتفاؤل هيأ لهم الطريق لتحقيق أحلامهم فكانوا أساسًا لبناء الوطن من مواقع مختلفة وفي مجالات شتى.

المسار التعليمي

درس المرحلة الابتدائية في مدرسة خالد بن الوليد، والإعدادية والثانوية في المعهد الديني الإعدادي الثانوي، وتزامنت جميع مراحل تعليمه مع بداية الطفرة التعليمية والجامعية واهتمام المجتمع بالتعليم العالي والحصول على شهادات الماجستير والدكتوراه، وحصل على بعثة دراسية إلى القاهرة للالتحاق بكلية دار العلوم، وحصل سنة 1977 م على ليسانس لغة عربية ودراسات إسلامية من جامعة القاهرة، وعمل خمس سنوات في تلفزيون قطر مراقبًا للسينما وترأس قسم المخرجين والمصورين والمونتاج والسينما والأفلام الوثائقية، وأشرف على مجموعة كبيرة من الموظفين بعد إكمال الماجستير في اختصاص الإعلام التربوي في نيويورك وتخرج سنة 1982 م.

الصعوبات والتحديات

تعرض لضغوطات كبيرة من والده للابتعاد عن الفن، وهو ما أثر فيه بشكلٍ كبير، وتسبب في تأخر انطلاقته الحقيقية بمجال الفن الذي لم يبدأ إلا بعد رحلة القاهرة حيث تعرف إلى الفنان عبد العزيز ناصر.

أول أغنية قطرية سجلها بعد اجتياز المرحلة الثانوية في مرحلة الصيف قبل السفر إلى القاهرة بعنوان «أم العباية» وأغنية حسين العود من كلمات عبد الله المهندي وألحان حسن العلي، وهي التي أبرزته كفنان خلال تلك الفترة، وقد تم ترشيحه من قبل حفلات السمر بالكشافة في راس بوعبود، وارتأى مراقب الموسيقى آنذاك أن صوته مشروع نجم وفنان في قطر ورشحه لهذه الأغاني بعدما تحرر من ضغوط المعهد الديني الوطني الذي كان القائمون عليه متخوفين من أن يسلك هذا الطريق.

المدرسة عبد العزيز ناصر

يعتبر أن عبد العزيز ناصر مدرسة وقدوته كذلك، فقد علمه مبادئ الموسيقى وشجعه على الجمع بين الغناء والثقافة والدراسة في الوقت نفسه، وكانا يتشاركان الظروف ذاتها ورفض عائلتيهما دخولهما هذا المجال، نظرًا لكونه ابن رجل أعمال معروف وكان قد أوهم والده أنه يدرس الطب في القاهرة بالاتفاق مع والدته، في حين أنه غير التخصص ودرس الموسيقى، وأسند له أول عمل قومي يومًا بدوري الراحة، بينما كان يبلغ من العمر 18 سنة وما زال شابًا في مقتبل العمر، وكانت هذه الأغنية مميزة لأنها عن الأم، وكانت تربطه علاقة قوية بوالدته التي كانت حنونة وعطوفة وداعمة ومراعية، وما إن سمع كلمات هذه الأغنية حتى وقع في غرامها وضربت على الوتر الحساس، حتى إنه لم يتمالك دموعه عندما سمعها واختلى بنفسه ليبكي وعاد إلى عبد العزيز وقد احمرت عيناه من البكاء.

العمل الفني الأول في القاهرة

شعر عبد العزيز ناصر بوقع الكلمات على نفس الفنان الشاب وذكرته بوالدته ورائحة طعامها واجتماع الأهل داخل الحوش، فوعده أن يكون هذا العمل من نصيبه، وعرفه على المايسترو الكبير شعبان أبو السعد الذي كان يتعامل مع استوديوهات صوت العرب الذي سجل فيه كبار الفنانين أغانيهم على غرار عبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب ووردة الجزائرية. بالفعل دعمه أبو السعد وحصل على فرصة للوقوف أمام نفس المايك الذي وقف أمامه عمالقة الفن، وكان حلمًا يتحقق، ودخل الاستوديوهات الضخمة وقد تحقق حلمه، وهناك تعامل مع المهندس زكريا عامر.

وقد حصل معه موقف ظريف خلال التسجيل إذ لم تكن هناك مؤثرات صوتية في تلك الفترة، وكانت الأغاني مباشرة وقد دخل الاستوديو مع فرقة كبيرة، ودخل غرفة التسجيل وهو في حالة عاطفية اختلطت لديه مشاعر الحنين بالخوف والسعادة، فكان يغني ويبكي ويصيح، وفجأة توقفت الفرقة عن العزف وبدأ جميع من في الاستوديو يضحكون. بعد هذا الموقف تعلم طريقة التسجيل والتعامل مع الفرق، وحفزه عبد العزيز ناصر – رحمه الله – على المبادرة والاتفاق مع الفرق وجميع العاملين في المجال الموسيقي والفني ليتعلم أصول الاتفاق وأصول الفن فضلًا عن الجانب الديني والأخلاقي، إذ كان ضليعًا في قراءة القرآن وتفسيره وكان محافظًا على الصلاة، وهو ما جعله يستمتع بالحديث معه في الأمور الدينية والاجتماعية والاقتصادية، وكان مدرسة جامعة.

العودة إلى قطر

بعد تسجيل الأغنية، أصر على العودة إلى الدوحة، وعند وصوله لمطار الدوحة بعد بث الأغنية بيوم واحد لقي ترحيبًا كبيرًا من الجميع، وأشاد الناس بالأغنية وكان حديث المجتمع القطري، وعند دخوله لمنزل العائلة استقبلته والدته بالأحضان والدموع وعبرت عن إعجابها وفخرها بالأغنية المهداة إليها، وكان متخوفًا من ردة فعل والده، لكن ولده فاجأه بالابتسامة والعتاب إذ أهدى لأمه أغنية ولم يغن له وقال إنه فخور بابنه وإن أصدقاءه أشادوا بأغنيته، وهو ما جعله ينسى آخر موقف كان بينهما في المطار عند توديعه حيث أمسكه من أذنه وهدده أنه إذا واصل الغناء سيسحب بعثته، ومنذ ذلك الوقت أصبح وسيطًا لوالده لإنهاء معاملاته التجارية، وهو ما خفف حدة الخلاف بينهما، إلا أن والده بقي على موقفه وظل ينصحه بالابتعاد عن الغناء إلى آخر لحظات حياته.

التفرغ

من أهم المواقف الفاصلة في حياته التفرغ للفن ولتمثيل دولة قطر في المحافل الفنية، وذلك بقرار من سمو الأمير الوالد، هذا الموقف أعطاه دعمًا كبيرًا للتركيز في الأعمال التي يقدمها وأتيحت له الفرصة لتمثيل بلده في المحافل الثقافية والفنية وهو ما أسهم بدرجة كبيرة في انتشاره على مستوى الوطن العربي.

مشاركات فاعلة في المحافل العربية والدولية

شارك في معظم المهرجانات في الوطن العربي، وحصل على جماهيرية كبيرة من شمال المغرب إلى جنوب اليمن مرورًا بالعراق والأردن، إضافة إلى مشاركته في مهرجانات في دول أوروبية لمدة عشر سنوات، والحفلات الموسمية للسياحة العربية في مصر، وأقام العديد من الحفلات في لندن للجاليات العربية بالإضافة للمشاركة في مهرجان جرش ومسرح بيرسيه في باريس سنة 2000 م بحضور قرابة عشرين ألف متفرج، وتفاجأ بترديد الجمهور لكلمات الأغاني، علاوة على المشاركة في مهرجان أبها، وكانت الحفلة منقولة على أربع قنوات، هذا المهرجان أسهم بشكلٍ كبير في انتشاره بالمملكة العربية السعودية إضافة إلى مهرجان جدة.

الإنجازات

حقق الموسيقي القطري المميز العديد من النجاحات والإنجازات على الصعيد الفني وكسب مكانة مميزة محليًا وخليجيًا متحديًا جميع العراقيل والمطبات التي واجهته، لكنه يعتبر نجاحاته العائلية أهم إنجازاته إذ نجح في إرضاء والديه وجعلهما فخورين به لا سيما والده الذي كان رافضا دخول ابنه للمجال الفني بشكلٍ قاطع، كما أسس عائلة متوازنة متماسكة، فأبناؤه شقوا طريقهم بثبات وحصلوا على شهادات علمية من كبرى الجامعات وتبوؤا مناصب مهمة في الدولة، وهم على درجة عالية من الثقافة والعلم ويخدمون الوطن من مواقعهم المختلفة منها المجال الاقتصادي ومن خلال وظائفهم ومسؤولياتهم الكبيرة.

على الصعيد الفني أصبح علامة تجارية في كل الوطن العربي من خلال الجهود التي قدمها، وما زال عطاؤه مستمر وهو يحضر لمفاجآت كبيرة.

«حبايب إف. إم»

الاهتمامات الفنية والشغف بخدمة الموسيقى قادت لتنفيذ مشروعات فنية عدة، أهمها حصوله على ترخيص لإذاعة خاصة تحت اسم «حبايب إف. إم»، وهي إذاعة قطرية بنكهة عربية تبث أغاني من مختلف أنحاء العالم، وهو يسعى لإتاحة الفرصة للموهوبين من أبناء بلده للمشاركة في البرامج الحية واستضافتهم وبث أغانيهم، وقد لقيت الإذاعة انتشارًا جماهيريًا كبيرًا ليس في قطر وحدها، وإنما في العالم العربي وبعض الدول الأجنبية كذلك، وتتميز ببث البرامج صوتًا وصورة، وهي الإذاعة الأولى التي تبث بهذه الطريقة المباشرة لإعطاء الفرصة للمتابعين من خارج قطر للتعرف إلى الساحة الثقافية والمثقفين من خلال بث البرامج على مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى التطبيق الخاص بالإذاعة الذي سهل الوصول لتردد الإذاعة في كامل أصقاع العالم، وهو ما يعده إنجازًا كبيرًا.

استوديوهات بأحدث التقنيات

لطالما كان سباقا ورياديًا وهو ما جعله لا يرضى بالمتاح حيث لم ترضه خدمات الاستوديوهات المحلية، فقرر أن يؤسس استوديوهات تصوير تخدم رؤيته وترضي طموحه، تكون بأفضل التقنيات وأحدثها، ويهدف من خلالها إلى خدمة شركة إنتاجه وأعماله الفنية، فلا يحتاج إلى السفر لإنجاز أي عمل فني للحصول على التقنيات الحديثة التي وفرها لنفسه ولزملائه.

التحديات والعراقيل

واجه الفنان القطري العصامي العديد من التحديات والعراقيل التي جعلت مسيرته شائكة ومتعرجة ولكنه تمكن في النهاية من تجاوزها، أبرز هذه المعضلات كان رفض عائلته دخوله لمجال الفن خصوصًا والده وأخاه، وتعرض لهجوم حاد وشرس من مجموعة من المنافسين الذي ابتعدوا عن المنافسة الشريفة ولجأوا إلى أساليب غير أخلاقية، وهذا ما أثر فيه بشكلٍ كبير خلال وقت من نشاطه الفني، لكنه تجاوزه بعد ذلك. لقي كذلك صعوبة كبيرة في التعامل مع بعض شركات الإنتاج التي وقع معها عقود احتكار، وعانى من قلة الدعم المادي في مسيرته، وهو ما اضطره للعمل بشكلٍ فردي وجعله يكافح لأجل فنه وليصنع اسمه داخليًا وخارجيًا، كما أنه نادرًا ما تبث الأغاني عبر وسائل الإعلام القطرية والتلفزيون القطري وهو ما يصعب وصول الفنان القطري إلى جماهيره.