

حسن رشيد
جمع بين الميكروفون والمسرح والنقد، وحول المعرفة إلى رسالة تتناقلها أجيال الإعلام والثقافة.
النسخة الرجالية · 2024 · الصفحات 28–35
الدكتور حسن عبد الله رشيد، إعلامي وأكاديمي وقاص وناقد مسرحي، وأول مذيع قطري ومن أوائل قارئي النشرة في تلفزيون قطر. حصل على الدكتوراه في فلسفة الفنون، تخصص نقد وأدب المسرح، بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف، وشغل مناصب متعددة في الإذاعة والتلفزيون والتعليم والثقافة.
النشأة والطفولة
تميزت مرحلة طفولته بالبساطة في حي «الغانم القديم»، وكان والده مع أعمامه يملكون عمارة ملاصقة لمسجد بو القبيب بجانب عمارات عدة للوالد مبارك بن صالح الخليفي، والوالد أحمد بن صالح الخليفي وعمارات الدليمي، والمرحوم أحمد يوسف الجابر وغيرهم.
التحق بالمدرسة الابتدائية القديمة القريبة من السكن ومن زملائه في الفصل صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني حفظه الله، والشيخ عبد العزيز بن حمد بن خليفة بن حمد آل ثاني والشيخ حمد بن جاسم آل ثاني الذي أصبح قائد الشرطة فيما بعد، وزملاء الصف مثل: حسين جعفر، رستم حاجي باقر، صلاح أحمد منصور، ومحمد نور عبد الكريم، والعديد من الزملاء. ومن أبناء الحي وزملاء الفصل الأعزاء إسماعيل زنيل موسى، سلطان الغانم، خالد عبد العزيز الغانم، والمرحوم موسى عبد الرحمن، وعبد الله ذياب، ولحسن الحظ أن من تولى الإشراف على الفصل الفاضل أحمد علي منصور – رحمه الله – الذي كان على درجة عالية من الكفاءة والمسؤولية، واعتبر الطلبة أبناءه واهتم به وبزملائه اهتمامًا كبيرًا.
عشق خلال طفولته لعب كرة القدم ومارسها مع أترابه وكان يقضي أوقاتًا طويلة في البحر الممتد لنقطة قريبة من مسجد بو القبيب، وارتبط منذ الصغر بالمسرح والأدب، وقد لقي دعمًا كبيرًا من العائلة نظرًا لأن هذا الاهتمام ليس بجديد على العائلة، بل هو شغف متوارث يسري في عروقهم، فجده لوالدته كان عاشقًا للقراءة وكذلك عمه الأكبر.
كانت العائلة الداعم الأكبر على مدار رحلة تحصيل العلم لا سيما والده الذي منح أبناءه الحرية التامة لاختيار التخصصات التي يرغبون فيها، فاختار أخوه الفنان محمد رشيد دراسة الموسيقى في القاهرة، في حين اختار التخصص في المسرح وكان من التخصصات النادرة آنذاك.
وئام وانسجام
جميع الأسر في الفريج كانت متحابة في تلك المرحلة والبيوت مفتوحة، وكل الأمهات في الحي يخفن على أبناء الحي مثل أبنائهم، وهو ما جعل الحياة بسيطة جميلة يملؤها التكامل والتعاون والحب ومراعاة الجيرة، وتشارك اللقمة وهو ما جعل الحياة مغلفة بالحب والاحترام بين جميع سكان المنطقة رغم قسوتها.
رسالة المعلم
لعل أبرز المواقف التي أسهمت وبلورت شخصيته تتلمذه على يدي المعلم والمربي المرحوم أحمد علي منصور بجانب هيئة التدريس بدءًا بالمربي محمد مرسي مدير المدرسة، والأساتذة ومنهم محمد علي المحمود، وبن غباش، رفيق النتشه وعشرات الأسماء ممن زرعوا فيه حب العلم والمعرفة من خلال التشجيع وخلق روح التنافس والاعتماد على الذات، فأنار المعلمون طريق هذا الجيل وعبدوا لهم الطريق وغرسوا فيهم الأمل والتطلع إلى الغد.
ومن بين أهم المواقف التي أسهمت في توجيه بوصلته نحو الأدب والنقد بينما كان في المرحلة الابتدائية أصدر مدرسه المرحوم أحمد علي منصور مجلة ذات قيمة وجد فيها إشباعًا لفضوله وشغفه وحفزته على الارتماء في حضن الأدب.
وجد كذلك أيادي تشجعه وتدفعه إلى الأمام خلال المرحلة الجامعية من أكثر من أستاذ، من بينهم إبراهيم حمادة وسمير سرحان ولم ينس فضلهم عليه لأنهم شدوا من أزره في بداياته، وسار على طريقهم فأخذ بأيدي العديد من الشباب الذين ارتموا في أحضان الثقافة والفكر والأدب على غرار الشاعر علي عبد الله الأنصاري، والشاعر المتميز محمد علي المرزوقي، والمسرحي أحمد عبد الرحمن مفتاح وغيرهم.
المسار التعليمي
درس المرحلة الابتدائية في الدوحة الابتدائية القديمة تحت إدارة المرحوم علي شحاتة، وعلى مدار رحلته التعليمية لم يتزعزع من المرتبة الأولى وهو ما عزز ثقته بنفسه التي ازدادت وتطورت مع مرور السنوات، فكان عاشقًا للتحدي لا سيما تحدي ذاته نظرًا لارتباطه بالفن والأدب وحرصه على إثراء زاده المعرفي واقتحام خزائن وكنوز المعرفة، وقد كون على مدار السنوات مكتبة كبيرة تضم أهم الأعمال الأدبية العربية والعالمية، فكان يقضي بين رفوف المكتبة ساعات طويلة ينهل فيها من الآداب والعلوم.
التخصص في النقد المسرحي
كان قرار التخصص في النقد المسرحي من أهم القرارات التي اتخذها في مسيرته، بل هي ما جعلته ما هو عليه اليوم حيث أسهم هذا التخصص في توسيع مداركه من خلال تعدد روافد القراءة والموضوعية في الطرح والتناول والابتعاد عن الانطباعية والأهواء والميول الشخصية، فكانت قراءة النقد واحدة من ركائز بناء فكر حر، وهو ما مكنه من بناء معالم خاصة لذاته نظرًا لكون عالم النقد عالمًا رحبًا وممتدًا يسهم في تنمية ذاكرة الإنسان وتطوير قدراته على التحليل ويثري مخزونه المعرفي، وما زال يواصل طريقه ويعتبر نفسه طالب علم مدى الحياة، فهو يكتسب خبرات جديدة مع كل تجربة ويثري رصيده من المعارف مع كل قراءة أو بحث.
دعم لا محدود من القيادة
من بين الأسباب الأخرى التي دفعت وأبناء جيله إلى مواصلة مشوار العلم الدعم اللامحدود من خلال توفير جميع الاحتياجات ولوازم المدرسة، مع توفير وجبات الفطور والغذاء والكساء والمعاش، وهو ما دفع بأحلامهم خطوات مهمة للأمام.
أثير الإذاعة وتأثيرها
من أهم اللحظات الفاصلة في حياته كانت اللحظة التي وضع فيها قدميه في الإذاعة، إذ قادته الأقدار إليها بعد أن وجد نفسه ضمن مجموعة من زملائه من أهل الفكر والأدب ووجد نفسه يشق طريق الأدب أسوة بهم، فكانت لحظة دخوله مجال الإذاعة كأول صوت قطري يقول «إذاعة قطر من الدوحة» من أجمل وأهم اللحظات التي حددت مسيرته ورسمت مساره، تلتها خطوات أخرى ثبتت هذا التوجه وعززته، من بينها التحاقه بدورة في الفن الإذاعي في القاهرة سنة 1969 م، إذ أتيحت له فرصة لقاء رواد الفن والفكر والإذاعة منهم عبد الحميد الحديدي، ومحمد محمود شعبان «بابا شارو»، والشاعر محمود إسماعيل، ويوسف الحطاب، والدكتور حسين فوزي، والدكتور كمال بشر، وعشرات الأساتذة الآخرين.
نجاحات وإنجازات
يقول الشاعر أبو القاسم الشابي «ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر»، بالفعل لم يخش صعود الجبال وكان أول من قال «إذاعة قطر في الدوحة»، وكان ذلك حلمًا لجميع شباب جيله يتحقق لا سيما أنه أول صوت يعلن استقلال قطر ويعلن الحركة التصحيحية، وكان هذا أهم إنجاز له في الإذاعة.
أما على المستوى الشخصي فكان الحصول على شهادات عليا في تخصصات جديدة والمساهمة ضمن أبناء جيله في رسم ملامح الفن والثقافة والفكر في دولة قطر وأن يكون لبنة صالحة في بناء المجتمع من بين أهم الإنجازات التي يفخر بها هو ولم يتوقف دوره على الإسهام في النهضة الفكرية، بل تواصل لإلهام وتحفيز وتأطير جيل جديد من المفكرين والمثقفين بداية من ابنه علي الذي تميز وأبدع في الشعر وأسهم في إعادة صياغة الأغنية القطرية، وابنه فيصل الذي كانت له صولات وجولات على خشبة المسرح وأسهم بدوره في نهضته، في حين استلمت ابنته سارة المشعل لتواصل مسيرة والدها في الإذاعة.
عشق المسرح
بعد أن شق طريقه بثبات في الإذاعة وفرض اسمه كأحد أعمدة الإعلام في قطر، التحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وقد سبقه كل من محمد أبو جسوم، والمرحوم موسى عبد الرحمن، وسالم ماجد، ومرزوق بشير، وكان معه الفنان غانم السليطي بعد أن تحول من الكويت إلى القاهرة، حيث تلقى أصول المسرح على يد كوكبة من أبرز أساتذة المسرح منهم الدكتور رشاد رشدي، والدكتور إبراهيم حمادة، والدكتور فوزي فهمي، والدكتور عبد العزيز حمودة، والدكتور سمير سرحان، والدكتور محمد العناني، والدكتور سعد أردش وغيرهم.
تعزيز التجربة وإكمال المسيرة التعليمية
لم يكتف بهذه الخبرة الواسعة فقرر تعزيزها ورفع سقف التحدي عبر تقديم رسالة الماجستير والدكتوراه تحت إشراف كل من الدكتور فوزي فهمي، والدكتور سمير سرحان، وقد أسهم خوض غمار هذه التجربة بشكلٍ كبير في إضافة حلقة جديدة للمسرح. هذا الفن الأبرز والأميز عبر تاريخ الفنون، وقد جعل من مقولة الشاعر أبي القاسم الشابي «ومن يتهيب صعود الجبال… يعش أبد الدهر بين الحفر» شعارًا له خلال تلك الفترة.
خدمة الوطن
تعددت الوسائل وتنوعت مجالات العمل وسبل العطاء والروافد لكن الغاية واحدة وهي خدمة الوطن الغالي، سواء في إطار الإذاعة أو إدارة الثقافة أو العديد من المشاركات في الفعاليات العربية عبر خريطة الوطن العربي ممثلًا لدولة قطر، وتحقيق أي إنجاز إبداعي يعكس الصورة الحضارية لوطنه.
الكتابة والتأليف
قدم خلال مسيرته الطويلة مجموعة كبيرة من الدراسات والبحوث الخاصة بالمسرح، وأسهم بشكلٍ كبير في إثراء الساحة الفكرية والفنية وطرح العديد من الأعمال المختلفة في مجالات السرد، القصص، والمسرحيات، والدراسات الفنية، من بينها كتاب أصوات من القصة القصيرة في قطر وتطور النقد المسرحي في دول الخليج العربي وهي دراسة فنية تاريخية، إضافة إلى إجراء دراسة تحليلية عن القضايا الاجتماعية في الدراما القطرية، ومجموعة قصصية بعنوان «الحضن البارد»، ودراسة المرأة في المسرح الخليجي، ومجموعة من النصوص المسرحية بعنوان «الظل والهجير»، فضلًا عن نشر دراسات في المسرح والدراما عن دار كتارا للنشر.
نجاح جيل التأسيس
يعد نجاحه وإنجازاته نجاح جيل كامل قدم عصارة عمره لهذا الوطن، فهو لا ينسى رفاق دربه ممن وضعوا اللبنة الأولى في العديد من مؤسسات الدولة، ومهدوا الطريق لمن يليهم من بينهم المرحوم عبد الرحمن المعضادي، والشاعر الإعلامي محمد جاسم المعضادي، ورفيق العمر النجم الفنان غازي حسين، وعائشة مال الله ودورها في الإذاعة، وغيرهم من المبدعين من أبناء قطر منهم عبد الرحمن المناعي، المرحوم عبد العزيز ناصر، وإسهامات الأشقاء والأساتذة العرب في إطار الإعلام من بينهم المرحوم محمود الشريف، وهاني صنوبر، والمسؤولون الذين أسهموا في خلق ودعم الإعلام والثقافة في قطر، ومنهم سعادة الدكتور عيسى بن غانم الكواري، وسعادة الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري، وزملاء رحلته مبارك جهام الكواري، إلهام بدر، وعبد العزيز محمد وغيرهم.
جيل من المبدعين
جيل الطيبين الذي حمل على عاتقه وضع الأسس لبناء هذا الوطن لم يكتف بالتقديم والإسهام الفكري، بل أخذ ورفاقه بأيدي الجيل الجديد من المبدعين ليحملوا المشعل ويؤدوا الدور ذاته، ومنهم الشاعر محمد علي المرزوقي، وعلي عبد الله الأنصاري، وأحمد عبد الرحمن مفتاح، والفنان فهد الكبيسي، وفيصل، وعشرات الأسماء ممن يحملون شعلة التجديد والتطوير والترنم عشقًا بحب هذا الوطن تحت قيادة الرموز الوطنية.
المؤلفات
كتب العديد من البحوث والدراسات حول المسرح، وكتب القصة القصيرة والمسرحيات والبحوث، أهمها «الإذاعة الموجهة والإذاعات العربية الموجهة»، و «دراسات في المسرح القطري» مع الدكتور محمد عبد الرحيم كافود والدكتور مرزوق بشير، إضافة إلى «جدلية العجز والعقل في القصة القطرية» بالاشتراك مع الدكتور مراد مبروك، ودراسة أخرى بعنوان «أضواء من القصة القصيرة»، وبحث «المرأة في المسرح الخليجي»، وأيضا تطور حركة النقد في دول مجلس التعاون الخليجي 1990–1995 م «، وكتاب القضايا الاجتماعية في الدراما القطرية 1970–1987 م»، ومجموعة قصصية بعنوان «الموتى لا يرتادون القبور» التي صدرت عن المجلس الوطني للثقافة والفنون بدولة قطر، ومجموعة قصصية عنوانها «الحضن البارد»، ومسرحية «الظل والهجير»، ومسرحية «الصوت والصدى»، إضافة إلى نشر دراسات في المسرح والدراما من خلال دار كتارا للنشر.
إنجازات مشرقة وخير ممثل لوطنه
مثل دولة قطر في كثير من المؤتمرات الإقليمية والدولية مثل: مؤتمر اتحاد الإذاعات العربية عام 1970 م في العاصمة الأردنية عمان، وكرم في الدورة الرابعة لمهرجان الرباط لمسرح الشباب عام 2014 م لمساهمته في الارتقاء بالساحة الفنية المسرحية في الخليج والمنطقة العربية.
أهلته خبرته وجودة أعماله لعضوية لجان التحكيم في عدد من الدول العربية ودول مجلس التعاون الخليجي، على غرار لجنة تحكيم في مهرجان الإسكندرية الأول للغناء، ويشغل منصب نائب رئيس اللجنة التنفيذية للهيئة العربية للمسرح.