

حمد الكواري
بنى جسورًا بين بلاده والعالم، وجعل الثقافة والدبلوماسية والمعرفة وجوهًا متكاملة لخدمة الإنسان.
النسخة الرجالية · 2024 · الصفحات 12–27
سعادة الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري، وزير دولة بدرجة نائب رئيس وزراء، ورئيس مكتبة قطر الوطنية. شغل منصب وزير الثقافة والفنون والتراث من 2008 إلى 2016، وعمل سفيرًا لدولة قطر في الولايات المتحدة وفرنسا ومندوبًا لدى اليونسكو والأمم المتحدة، ورشحته دولة قطر عام 2017 لمنصب المدير العام لليونسكو.
النشأة والطفولة
عاش السنوات الأولى من طفولته في (الغارية)، ورغم قصر المدة التي عاشها فيها حيث لم يكمل فيها سنته الأولى في المدرسة إلا أن تفاصيلها ما زالت تسكن دهاليز قلبه، إذ كانت أمه وقريناتها يذهبن إلى (عذبة) لإحضار الماء العذب على ظهر الحمير فيستقبلها ركضًا، وكانت بالنسبة إليه متعة لا تنسى. كان يقضي وقتًا طويلًا بين الجبل والبحر حيث السباحة والجري على الشاطئ وصيد السمك، والأمر ينطبق على منطقة (الرميلة) التي عاش فيها باكورة شبابه، وتفتحت حياته على أهل وأحباء وجيران، منهم خليفة المسلم (رحمه الله)، ومجرن هجرس العتيج (أطال الله عمره) وغيرهم، وأماكن منها البحر والمسجد والمقبرة ودكان العور بائع «الباجلا» والخبز الإيراني وغيرها. هناك تفتحت المدارك، وولدت الأحلام وازدهرت لا سيما بعد أن دخلت حياته زوجته ورفيقة دربه أم تميم سنة 1972.
المسار التعليمي
في المراحل التعليمية الأولى درس القرآن وعلوم الدين بالإضافة إلى وجوده في المدرسة. وكان يدرس في مدرسة صلاح الدين التي كان يديرها الشيخ عبد الله الأنصاري – رحمه الله – وعندما تأسس المعهد الديني التحق به مع مجموعة من الأصدقاء. وعندما انتهى من الدراسة في المعهد الديني ذهب إلى القاهرة ودرس في البداية بكلية الشريعة في جامعة الأزهر، وبعد أشهر معدودة حول إلى كلية دار العلوم، وهي كلية متخصصة في اللغة العربية والدراسات الأدبية، وحصل على بكالوريوس الدراسات العربية والإسلامية من جامعة القاهرة سنة 1970 ثم على الماجستير من جامعة القديس جوزيف في بيروت، ودرس الفلسفة السياسية بجامعة السربون في باريس، ثم حصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة ستوني بروك في ولاية نيويورك 1990.
ومنذ الوهلة الأولى لوصوله لنيويورك عام 1984 كان الحصول على الدكتوراه أحد أهدافه الرئيسية، إذ حاول ذلك في باريس ولم تمكنه الظروف فعوض ذلك بدراسة سنتين في السربون، وقد وقع الاختيار على جامعة ولاية نيويورك فرع ستوني بروك الذي يبعد عن مانهاتن أكثر من أربع ساعات بالسيارة، وتطلب الأمر أن يذهب إلى الجامعة يومين في الأسبوع ولم يكن الأمر سهلًا. واختار موضوعًا ذا صلة بعمله ليثري معرفته ويعمقها في عمله، وفي الوقت نفسه يحقق الهدف المنشود فكان الموضوع (صناعة القرار في مجلس الأمن للأمم المتحدة… الحرب الإيرانية العراقية: دراسة حالة). آنذاك كانت الحرب على أشدها بين البلدين الجارين، وقد استغرق البحث أكثر من ثلاث سنوات، ولم ينته إلا بعد انتقاله إلى واشنطن في بداية 1990 لتولي منصب السفير.
البدايات المهنية والدبلوماسية
بعد الانتهاء من الدراسة الجامعية في مصر والعودة إلى الدوحة، عين مديرًا لمدرسة (أبو بكر الصديق) الابتدائية. وفي 22 فبراير/شباط 1972، عندما تولى المرحوم سمو الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني – أسكنه الله فسيح جناته – مقاليد الحكم أنشئت وزارة الخارجية. كان من أوائل من ترك سلك التعليم، وانتقل إلى السلك الدبلوماسي ليشكل ذلك منعطفًا في حياته السياسية والثقافية والاجتماعية.
بدأ مسيرته المهنية عام 1972، وكانت أول مهمة توكل إليه أن يذهب إلى بيروت كقائم بأعمال لتحضير السفارة والسكن لسعادة الشيخ محمد بن حمد آل ثاني ليكون أول سفير في لبنان. وبعد الاستعداد لهذه المهمة اختير معه ثلاثة من الشباب القطريين الذين انضموا إلى السلك الدبلوماسي. كان سعيدًا بأن يبدأ الدبلوماسية في بيروت التي علمته فن الحياة بتياراتها العربية وتوجهاتها المختلفة، وهو ما عزز فيه احترام التعددية واحترام وجهة النظر الأخرى.
بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، زار سعادة الشيخ سحيم بن حمد آل ثاني – رحمه الله – بيروت، ثم تحدد له موعد لمقابلة الرئيس حافظ الأسد. وكانت سفارة قطر في بيروت تغطي دمشق فطلب منه الشيخ سحيم بن حمد آل ثاني أن يرافقه إلى دمشق، وكانت الأوضاع لا تزال متوترة، وكلف بكتابة محضر اللقاء على ضوء الشموع لأن الكهرباء كانت تنقطع. وقد أعجب الشيخ سحيم كثيرًا بالمحضر، وعندما قررت قطر فتح سفارة في دمشق وأخرى في الجزائر قرر الديوان الأميري تعيينه سفيرًا في الجزائر، وحين علم الشيخ سحيم رفض وأصر أن يكون السفير في دمشق لمعرفته بسوريا وعليه عمل سفيرًا في سوريا سنة 1974.
وبعد خمس سنوات، عين سفيرًا لقطر في فرنسا وقد شغل خلال هذه الفترة منصب السفير غير المقيم لدى اليونان، وإيطاليا، وإسبانيا، وسويسرا، ثم أصبح من 1984 إلى 1990 مندوب دولة قطر لدى منظمة الأمم المتحدة. وكان في الفترة نفسها سفيرًا غير مقيم لدى الأرجنتين، والبرازيل، وكندا. في سنة 1990 عينته دولة قطر سفيرًا لدى الولايات المتحدة الأمريكية إلى سنة 1992 وسفيرًا غير مقيم لدى المكسيك وفنزويلا.
وزارة الثقافة
عين وزيرًا للإعلام والثقافة في قطر في عام 1992، وقد اتخذ خلال الفترة من 1992 إلى 1996 إجراءات تخدم حرية الإعلام والصحافة واضعًا حدًا للرقابة التي شملت الصحافة والإصدارات، وصولًا إلى إغلاق وزارة الإعلام في قطر سنة 1997. وكان هذا الإجراء الداعم لحرية الإعلام منسجمًا مع مشاركته لاحقًا في تأسيس «مركز الدوحة لحرية الإعلام» في عام 2007. عين وزيرًا للثقافة والفنون والتراث في يوليو/تموز 2008. وكان أول سياسي قطري يتقلد الإشراف على الوزارة الجديدة، وترأس في عام 2010 المؤتمر السابع عشر لوزراء الثقافة العرب. وخلال فترة وزارته اختيرت العاصمة القطرية الدوحة «عاصمة للثقافة العربية» في عام 2010. وفي عام 2012 أسهم في إطلاق مبادرة «السنوات الثقافية» الرامية إلى توطيد علاقات التبادل الثقافي بين قطر والدول الشريكة، بدأت مبادرات الأعوام الثقافية بالمملكة المتحدة في عام 2012، ومن الدول التي شملتها المبادرة اليابان (2013) والبرازيل (2014) وتركيا (2015) والصين (2016) وألمانيا (2017)، وروسيا (2018) والهند (2018) وفرنسا (2020) والولايات المتحدة (2021). وتشارك في المشروع جل المؤسسات الثقافية الكبرى في قطر وعلى رأسها متاحف قطر ووزارة الثقافة ومكتبة قطر الوطنية.
الوظائف في المنظمات الدولية
تولى منصب ممثل دولة قطر لدى منظمة اليونسكو. وكان المندوب الدائم لدولة قطر لدى منظمة الأمم المتحدة من 1984 إلى 1990، وهي الفترة التي عين فيها نائبًا لرئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الأربعين، ورئيس اللجنة السياسية الخاصة (اللجنة الرابعة) في دورتها الثانية والأربعين في سنة 1987. وانتخب في الأمم المتحدة نائبًا لرئيس لجنة مناهضة التمييز العنصري وعضو مجلس إدارة إحياء ذكرى «داغ همرشولد». ومثل دولة قطر في حركة عدم الانحياز، وكان من 1997 إلى 2004 عضو اللجنة الاستشارية لمجلس التعاون لدول الخليج العربي.
ترأس في سنة 2012 المؤتمر الثالث عشر للأونكتاد (مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية)، وانتخب في سبتمبر/أيلول 2012 رئيسًا شرفيًا للمؤتمر الخامس والعشرين لاتحاد البريد العالمي. والدكتور من المولعين باللغة والثقافة الفرنسية، وقد ترأس وفد دولة قطر في مؤتمر المنظمة الدولية للفرنكوفونية في عام 2012 في جمهورية الكونغو الديمقراطية بعد قبول ترشح قطر عضوًا مشاركًا في المنظمة.
مندوبًا لدولة قطر في الأمم المتحدة
شاء القدر أن يعين مندوبًا لدولة قطر في الأمم المتحدة في نيويورك من 1984 حتى 1990، وهو ما عزز علاقته مع الوفود الإفريقية، واختير في تلك الفترة قائمًا بأعمال رئيس لجنة مكافحة العنصرية (الأبارثيد) مما جعله قريب الصلة مع الوفود الإفريقية في مرحلة حركة تحرير زمبابوي (روديسيا) وجنوب إفريقيا، وفي أثناء حملته الانتخابية للمنظمة الدولية للتعليم والثقافة والعلوم (اليونسكو) زار العديد من الدول الإفريقية الأعضاء في المجلس التنفيذي، ووجد منهم ترحيبًا، وتلقى منهم دعمًا حتى إن معظمهم صوت له رغم الضغوط التي مورست عليهم لقناعتهم ببرنامجه.
مكتبة قطر الوطنية منارة ثقافية وعلمية ودبلوماسية
لمكتبة قطر الوطنية، التي تولى رئاستها في أبريل/نيسان 2020، دور محوري ومؤثر في نشر المعرفة وتوثيق تاريخ دولة قطر ومنطقة الخليج، بالإضافة إلى التراث الوثائقي العربي والإسلامي. وقد استفادت المكتبة من الثورة الرقمية وتكنولوجيا المعلومات لتكون في صدارة المؤسسات الثقافية التي توظف التكنولوجيا الرقمية في إتاحة المعرفة والمعلومات بمختلف صورها المطبوعة والرقمية. وقد سعى لأن تكون المكتبة معلمًا ثقافيًا استثنائيًا، محليًا وإقليميًا وعالميًا، عبر إطلاق مبادرة ندوات الصالون الثقافي بالتعاون مع جامعة حمد بن خليفة. وفي عهده ازدهرت المكتبة وتألقت ثقافيًا عبر تنظيم العديد من المعارض التي وطدت العلاقات الثقافية بين دولة قطر والدول الشريكة في مبادرة الأعوام الثقافية، وإبرام العديد من اتفاقيات الشراكة والتعاون مع كبرى المكتبات والمؤسسات الأرشيفية الوطنية في أوروبا والعالم العربي والإسلامي بهدف إتاحة نسخة رقمية من كنوز التراث العربي والإسلامي المحفوظة في هذه المؤسسات للباحثين والمهتمين وسائر المهتمين في قطر والخليج عبر مكتبة قطر الرقمية والمستودع الرقمي، فضلًا عن إتاحة المحتوى الثقافي والمعرفي للطلبة والباحثين والدارسين والعلماء في دولة قطر عبر تيسير الوصول لأشهر المصادر الإلكترونية العالمية في شتى مناحي العلوم والآداب والفنون.
ومن أبرز الشراكات التي أقامتها المكتبة كان التعاون مع المكتبة البريطانية في رقمنة محتوياتها من الوثائق والصور ذات الصلة الوثيقة بتاريخ قطر والخليج، وكان من أبرز ثمار هذه الشراكة إطلاق مكتبة قطر الرقمية في أكتوبر/تشرين الأول 2014 وقبل افتتاح المكتبة رسميًا، لتكون أكبر مستودع رقمي متخصص في تاريخ الشرق الأوسط.
وتحوي المكتبة ما يقارب مليوني وثيقة متاحة لاطلاع الجميع مجانًا على مستوى العالم، وهو ما كان له صدى كبير، واتضح صداه في إنجاز بحوث حول تاريخ المنطقة العربية من باحثين أجانب، ومنهم من تواصل مع المكتبة، مؤكدًا اعتماده في المصادر على الوثائق التي تتيحها مكتبة قطر الوطنية.
ووقعت المكتبة مذكرات تفاهم مع عدد من المكتبات العربية والإسلامية، وفي آسيا الوسطى مثل المكتبة الوطنية التركية ومكتبة الرئاسة التركية، والأرشيف العثماني، ومكتبة أذربيجان الوطنية، ومكتبة الصين الوطنية، ومكتبة بوريس يلتسن الرئاسية في روسيا، بالإضافة إلى التعاون القائم مع مكتبة هولندا الوطنية، والأرشيف الهولندي الوطني، والمكتبة الفرنسية الوطنية، وجامعة نيويورك، وتصب كل هذه الجهود في خانة تعزيز رقمنة الوثائق والمخطوطات حول قطر والمنطقة والعالم العربي والإسلامي وتبادل مصادر المعرفة.
وعمل على بناء علاقات الشراكة مع دول آسيا الوسطى التي تملك وثائق ذات علاقة بالحضارة العربية، ليتجاوز دور المكتبة الدور الثقافي والعلمي، وتصبح أداة رئيسية من وسائل الدبلوماسية الثقافية لدولة قطر.
نجحت المكتبة بقيادة في تجاوز جميع التحديات، فلم تتوقف الفعاليات والأنشطة الثقافية خلال جائحة كورونا (كوفيد-19) حيث قدمت المكتبة كثيرًا من الفعاليات والأنشطة افتراضيًا، التي كان لها تأثيرها الإيجابي على جمهور المكتبة من مختلف فئات المجتمع في دولة قطر.
لم تدخر المكتبة، تحت إشراف هو جهدًا في تعزيز الاقتصاد القائم على المعرفة وأسهمت في تحقيق أهداف التنمية سواء في الجانب الاقتصادي أو الاجتماعي أو التربوي أو غيرها، انطلاقًا من أن دورها لا يقتصر على الكتب أو الوثائق.
وأولت المكتبة عناية فائقة بالأطفال واليافعين، وخصصت لهم مئات الآلاف من الكتب والمراجع، وعشرات المصادر الإلكترونية، وتنظم لهم العديد من الفعاليات التي تخاطب عقولهم وتنمي شغفهم بالقراءة والتعلم وتذكي جذوة الفضول لديهم، وتثير اهتمامهم بالعلوم والتكنولوجيا وأدواتها. ووفرت المكتبة بفضل رؤيته الفرص الاقتصادية، والتعليم الجيد والتطوير الذاتي، فكانت شريكًا أساسيًا وفعالًا للأمم المتحدة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. وتحظى المكتبة بدور رئيسي في الاتحاد الدولي لجمعيات ومؤسسات المكتبات (الإفلا) الذي اختار مكتبة قطر الوطنية لتكون المركز الإقليمي المعتمد لصون المواد التراثية والمحافظة عليها في الدول العربية.
تجربة اليونسكو… اقتراب من الحلم وخذلان
من الذكريات والمحطات التاريخية التي عاشها وكانت فاصلة ومؤثرة في مسيرته، وفي حياته الشخصية ترشحه لمنصب المدير العام لليونسكو، المنظمة العالمية للتعليم والثقافة والعلوم في 2017، حيث كان أبرز المرشحين وأوفرهم حظًا، بفضل ما بذله من جهد كبير من زيارات لكل الدول الأعضاء في المجلس التنفيذي وعددها 52 عضوًا بالإضافة إلى دول أخرى حتى وصل عدد الدول التي زارها إلى 70 دولة، وقابل رؤساء الدول ورؤساء الوزارات والوزراء المعنيين، وزار الجامعات، وتناقش مع مثقفيها، وكانت له مؤتمرات صحفية في معظم هذه الدول، مسلحًا ببرنامج واضح المعالم لخدمة الدول الفقيرة. وكانت الأمور تسير على أفضل وجه، وعلى الرغم من علمه بمحاولات غير مباشرة لعرقلته من بعض ذوي القربى، فإنه غض الطرف عنها، بل وتجاهلها واثقًا من مكانته وحساباته الدقيقة التي تؤكد توفر الأصوات التي تحقق له الفوز بشكل قاطع.
وقد تمكن بالفعل من الفوز الحاسم في الدورات الأربع الأولى، واحتدت المواجهة في الدورة الخامسة، ويوم التصويت كان الأمر محسومًا بنجاح قطر لدى الجميع حتى إنه أعد كلمة الفوز ووضعها في جيبه، وبعد ساعات ثقيلة من الانتظار جاءت اللحظة الحاسمة، وكانت النتيجة بالتساوي بينه وبين المرشحة الفرنسية، وبعدها تغيرت النتيجة بإعلان فوزها بفارق صوت واحد.
شعر بالصدمة من النتيجة المخيبة للآمال حيث كان يعد هذا المنصب مهمة ثقافية لخدمة العرب، ورغم وقع النتيجة غير المتوقعة إلا أن اتصال صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى كان بمنزلة البلسم للجرح حيث قال له «نعتبرك فائزًا، وعد لبلدك مكرمًا معززًا».
مناصب أخرى
كانت حياته حافلة بالنجاح والإنجاز، فقد تعلم الكثير، وزار العديد من البلدان والأهم من ذلك أنه تقلد العديد من المناصب، فهو عضو سابق في الهيئة الاستشارية لمجلس التعاون لدول الخليج العربي، وعضو سابق في مجلس إدارة معهد رند قطر للسياسات، ومؤسس مشارك ورئيس مجلس أمناء مركز الدوحة لحرية الإعلام، ورئيس اللجنة العليا المنظمة لاحتفالية «الدوحة عاصمة الثقافة العربية 2010»، إضافة إلى كونه رئيسًا سابقًا للجنة جائزة الدولة القطرية، ورئيسًا سابقًا للجنة جائزة الدولة لأدب الطفل في قطر، ومؤسسًا مشاركًا لمعهد العالم العربي في باريس سنة 1980. وفي رصيده العديد من العضويات في مجالس ومؤسسات فهو عضو رابطة رجال الأعمال القطريين سنة 2008، ونائب رئيس شبكة الجزيرة الإعلامية، والعضو المنتدب وعضو مجلس أمناء مكتبة قطر الوطنية، وعضو مجلس أمناء هيئة متاحف قطر، وهو أيضًا الرئيس المشارك للمجلس الاستشاري لجامعة نورثويسترن.
رحلة في عالم الكتابة
ترك بصمة مميزة في مجال الكتابة؛ فكل كتاب يعبر عن مرحلة من حياته، سواء خلال عمله سفيرًا في عواصم مهمة أو وزيرًا لسنوات، وهو ما جعل كتبه شهادات للتاريخ. تناول كتابه الأول، «جدل المعارك والتسويات في كواليس مجلس الأمن: الحرب العراقية الإيرانية»، موضوع أطروحته للدكتوراه في جامعة ولاية نيويورك. أما كتابه الثاني، «المعرفة الناقصة… العرب والغرب في عالم متغير»، فجمع فيه مقالاته ومحاضراته من عام 1996 إلى عام 2008. ويعد كتابه الثالث، «على قدر أهل العزم: سيرة فكرية»، أشهر كتبه وأكثرها انتشارًا؛ إذ ترجم إلى عشر لغات وصدرت منه طبعة عربية ثانية. صدرت الطبعة الأولى قبيل الحملة الانتخابية مباشرة، ولازمه الكتاب أينما ذهب ليعرف العالم بفكره وسيرته الثقافية. ووزع نحو 30 ألف نسخة بلغاته الرئيسية الثلاث، وقدم إلى رؤساء دول وحكومات ووزراء وسفراء.
من أهم كتبه أيضًا (وظلم ذوي القربى: الطريق إلى اليونسكو)، وهو تسجيل أمين وتوثيق تفصيلي لمسيرة ترشيحه لليونسكو التي انطلقت في 18 سبتمبر/أيلول 2019. وهو أيضًا سيرة حياة وتسجيل لمرحلة من حياته الشخصية التي عاشها بكل جوارحه، لم يكتف في هذا الكتاب بالسرد والنوادر والتحليل، بل تطرق إلى موضوعات فكرية تثري فكر القارئ كفصل الجامعات وفصل إسهامات الحضارة العربية الإسلامية ودور الدبلوماسية الثقافية.
الكتاب الخامس (مسافر زاده الجمال الجزء الأول) هو تدوينات قصيرة مرتبطة بالصور كان قد نشرها على حسابه في (إنستغرام)، وتحدث فيها عن شخصيات كبيرة عايشها عن قرب وتعلم منها وكانت بعنوان (رجالٌ جاد الزمان بهم). وحازت السلسلة رضا المتابعين وكان لها صدى طيب. وبعد فترة بدأ المتابعون يحثونه على تأليف كتاب عن ذكرياته وسرد مثل هذه القصص بتفاصيل أكثر. وقد استلهم اسم الكتاب من عنوان منشور عبر إنستغرام كتبه حين زار منابع النيل في أوغندا، وذكر فترة إقامته في القاهرة أيام الدراسة الجامعية وتنزهه على ضفاف نهر النيل مع الرفاق والأحبة.
أما الكتاب السادس (جسور لا أسوار: مقاربة جديدة لعلاقة الشمال بالجنوب)، الصادر عن دار جامعة حمد بن خليفة للنشر والذي ينقسم إلى أربعة فصول فيكشف كواليس تجربته في اليونسكو وخفايا العلاقات الحضارية بين دول الشمال ودول الجنوب، وما أنتجته تلك العلاقة من نظرة متعالية ومركزية من قبل دول الشمال أضرت بالاستقرار والسلام في العالم.
وتتمثل رسالة هذا الكتاب في توجيه دعوة للعالم لا سيما بلدان الغرب إلى مد الجسور لا بناء الأسوار في ضوء مقاربة جديدة للعلاقات بين الشمال والجنوب، ويقدم الكتاب شهادة للتاريخ، توثق بالبراهين والشهادات ما وقف عليه من حملة مغرضة وممنهجة لا تحمل العرفان لبلدان الجنوب، وقد ترجم الكتاب -حتى الآن- إلى الإسبانية والفرنسية والإنجليزية والفارسية والألمانية.
أصدر سعادته في سنة 2023 كتابًا بعنوان (بعضٌ مني: الدبلوماسية الثقافية بعد مونديال قطر) يوثق فيه أبعاد التأثير الثقافي لاستضافة دولة قطر لأول بطولة لكأس العالم لكرة القدم في دولة عربية مسلمة. سجل في الكتاب حصيلة سنوات طويلة من التجربة والتفكير، وشرح واقع العلاقات الدولية بحضور وغياب الثقافة فيها، وطرح موضوع الدبلوماسية الثقافية من زاوية موضوعية ومحايدة من شأنها رفع الضيم عن تاريخ طويل للمجتمعات الإنسانية غير الغربية في العمل على التقارب عبر المكونات الثقافية والخيرات الرمزية لشعوبها. وأوضح في هذا الكتاب أن ولادة الدبلوماسية الثقافية ليست حديثة، بل هي مفهوم قديم عميق الجذور في تربة الحضارات القديمة، مؤكدًا حتمية الاعتماد على الثقافة كقوة دافعة لأي علاقات بين الدول في عصرنا الحالي.
جهود رائدة في خدمة حرية الكلمة
في عام 1994 عين وزيرًا للإعلام، وتلقى تعليمات واضحة بتوسيع حرية الإعلام في قطر بما يسمح في النهاية بإلغاء الرقابة. آنذاك، لم تكن القنوات الفضائية معروفة على نطاق كبير، وكان للإذاعات الدور الأساسي، وإلى حدٍ ما المحطات التلفزيونية الأرضية، وقد طلبت منه القيادة اقتراحًا لبرنامج إذاعي يتحقق فيه أكبر قدر من الحرية من الموضوعات والشخصيات المشاركة فيه، وليكون نموذجًا يحتذى بعد ذلك. وتم إعداد نموذج تطور حتى وصل إلى مستوى غير مسبوق من الحرية فكان برنامج (قضايا وآراء) من إذاعة قطر الذي كان نقلة نوعية انتبه لها الجميع، وأدخل السرور إلى محبي حرية الكلمة، لكنه وجد من يحاربه ويسعى لإيقافه. كان يدعو الجميع إلى تقبل حرية الصحافة باعتبارها لغة العصر التي لا مناص منها.
وفي عام 1994، دارت حرب إعلامية شديدة بين قطر والسعودية بخصوص الأوضاع السياسية في اليمن، فأيد الإعلام القطري وحدة اليمن بينما كان الإعلام السعودي مشجعًا على الانفصال. ومثل الإعلام القطري التلفزيون القطري والإذاعة القطرية بينما مثل الإعلام السعودي قناة (إم. بي. سي) التي كانت أول محطة فضائية دولية، وهو ما جعل القيادة في دولة قطر تدرك أن العالم قد تغير، وأنه لا بد من تطوير الإعلام القطري ليحقق الدور المطلوب. وكانت هذه هي إحدى الإرهاصات لولادة قناة الجزيرة، وفي 2 نوفمبر/تشرين الثاني 1995 ولدت قناة الجزيرة.
ذكريات مع القارة السمراء
بنى علاقات وثيقة في دول إفريقيا التي زار معظم دولها، والتقى قادتها ومثقفيها، وألقى المحاضرات في جامعاتها، وانبهر بثرائها وثقافة أهلها، فأحب زيارة الدول الإفريقية، وكان يشعر بالسعادة كلما تعرف إلى بلد جديد فيها. وتضافرت عوامل عدة قربته من هذه القارة، ومكنته من التعرف على قياداتها، وعلى أوضاعها السياسية والثقافية وعلى مسيرتها التاريخية، ولعل أول عوامل الاشتباك النفسي مع إفريقيا كان في ريعان شبابه حين كان يسمع عن معارك التحرير في إفريقيا العربية كالجزائر أو بقية دول إفريقيا كالكونغو وكينيا وغيرها، وكان طالبًا في القاهرة وقريبًا من الحراك الإفريقي، ومن أحلام إفريقيا.
شخصيات أثرت في حياته
التقى على مدى مسيرته رجالًا تركوا بصمات لا تنمحي في حياته، وبقيت ذكراهم حية في ذاكرته. ومن الرجال الذين جاد عليه الزمن بالتعرف إليهم وتركوا أثرًا كبيرًا في حياته الدكتور محمد الفاضل رئيس جامعة دمشق وأحد أبرز القانونيين العرب. وقد قابله عندما كان سفيرًا في دمشق. وكان له أخًا وصديقًا ناصحًا، لكن اغتالته يد آثمة على باب الجامعة قبل أن ينتقل من دمشق بأكثر من عام.
من هؤلاء الرجال أيضًا الدكتور كلوفيس مقصود، مندوب الجامعة العربية، الذي قابله بالصدفة في نيويورك وواشنطن، ووجد أنه يتمتع بصفات لا يشاركه فيها أحد كالإيمان بقضايا العرب والتفاني إلى أقصى درجة في خدمتها. كان لديه قدرة وتمكن باللغتين العربية والإنجليزية، وقدرة على الارتجال في أي موضوع مهما كان شائكًا. وفي واشنطن تعرف إلى نسيب لحود، سفير لبنان، الذي كان نزيهًا خلوقًا مستقيمًا يتمتع بوضوح الرؤية السياسية وتقديرًا للزمالة والصداقة.
قائمة الأحبة الذين نقشوا على روحه تطول، منهم الدكتور أيمن طه الرفاعي، المتخصص في الطب النووي، وقد وجد فيه صفات العالم وخلق الإنسان كما أن حياته في الخارج لم تنسه عشقه لبلدته حمص التي كان باستمرار يتغنى بها حيث كان محبًا للأدب العربي وصاحب قلم رشيق. وممن أثروا في حياته الشيخ أحمد بن سيف آل ثاني، الذي كان وزير دولة للشؤون الخارجية في قطر لمدة اثني عشر عامًا، ويتصف بخلق رفيع وتواضع جم وبساطة في التعامل. وقد تعامل معه خلال عمله سفيرًا في دمشق وباريس ونيويورك. وتعمقت علاقة الإخوة والصداقة معه خلال زيارات وزراء خارجية مجلس التعاون المتكررة إلى الأمم المتحدة أثناء تعامل مجلس الأمن مع الحرب الإيرانية العراقية وفي أثناء الجمعيات العامة الست.
وممن أثروا فيه تأثيرًا كبيرًا سعادة السيد سمير الشهابي، سفير المملكة العربية السعودية في الأمم المتحدة، الذي كان يتصرف معه كأخ أكبر، فقد كان يرى فيه ما لا يراه في نفسه، وكان يوجهه للاستفادة من كل دقيقة، وينصحه بقراءة الوثائق. كان الشهابي مثالًا للدبلوماسي في شكله ومضمونه وهو الذي حثه وشجعه على الدراسة لنيل الدكتوراه، وتعلم منه الكثير.
ممن عرفهم سعادة السيد عصمت كتاني الذي كان سفيرًا للعراق ثم كان أول رئيس عربي للجمعية العامة في دورتها السادسة والثلاثين وكان نموذجًا للدبلوماسي العريق في هندامه وتصرفاته، وعبد الله الأشطل سفير اليمن الجنوبي ثم اليمن الموحد الذي كان خبيرًا بالإجراءات الرسمية وهي جزء مهم في الأمم المتحدة، وقد تعلم منه الكثير.
من الدبلوماسيين الذين تعرف إليهم سعادة السيد الهادي المبروك، وهو دبلوماسي تونسي وآخر وزير خارجية للرئيس بورقيبة. التقاه في باريس وهو شخصية لا يجهلها أحد في المجتمع العربي الفرنسي، وكان منزله عامرًا بالدعوات والندوات واللقاءات السياسية والاجتماعية والفنية حتى إنه قابل من خلاله الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة في آخر زيارة له إلى باريس.
تعرف في أيام شبابه إلى سعادة السيد خليفة بن عبد العزيز المبارك وهو دبلوماسي إماراتي. تكونت أيضًا بينهما علاقة عائلية، وبعد خمس سنوات في عاصمة الياسمين ترك خليفة دمشق ليعين سفيرًا لبلده في باريس. وما هي إلا أشهر حتى يلتحق به صديقه سفيرًا لبلده في مدينة النور أيضًا فيلتئم الشمل وتتجدد العلاقة فعملا معًا ليس من أجل بلديهما فحسب، بل أيضًا من أجل قضايا العرب. وبعد خمس سنوات ينتقل إلى نيويورك ليكون مندوبًا لبلده في الأمم المتحدة لكنه تعرض لإطلاق نار، وخر شهيدًا أمام منزله وزوجته وأطفاله.
تشابك مساره في الحياة مع أحمد صدقي الدجاني، وهو مناضل صادق وقائد فلسطيني كبير ومثقف عربي بارز يجسد اللغة العربية، وهو الرجل الذي دخل السياسة من أوسع أبوابها، فقد كان من مؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية، وعضوًا بالمجلس المركزي بها حتى عام 1981، كما كان عضوًا في الوفد الفلسطيني في نيويورك ومسؤول الحوار العربي الأوروبي. وكانت أول معرفة له به في دمشق حين كان سفيرًا، واستمرت في باريس ثم نيويورك حتى وافته المنية.
التقى في بيت الهادي المبروك بشكل منتظم الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك ورئيس الوزراء السابق ريمون بار ووزير الخارجية السابق شيسون، وغيرهم الكثير من الشخصيات الفرنسية في مجالات السياسة والثقافة والفن. ومن العرب التقى الموسيقار محمد عبد الوهاب، وملك مصر السابق أحمد فؤاد، وغيرهما.
ومن أهم الشخصيات التي تقاطع طريقها مع طريقه الدكتور أحمد بن بلة، قائد حركة تحرير الجزائر من الاحتلال الفرنسي، وأول رئيس للجزائر بعد الاستقلال. وقد جمعتهما الصدفة في باريس بينما كان سفيرًا لقطر في فرنسا، حيث التقيا هناك واستضافه في منزله. وقد أعجب كثيرًا بتمسك المناضل الجزائري باللغة العربية وحرصه على دراسة التاريخ والفكر الإسلامي وجهوده في حماية الهوية العربية.
ومن العلاقات الجميلة التي امتدت لسنوات طوال وأثرت بشكل كبير في شخصيته علاقته بالرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة الذي كان أول عربي يتولى رئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث حالفه الحظ أن التقاه هو الآخر في فرنسا خلال جلسات لقائه مع بن بلة، فهاتان الشخصيتان الملهمتان عززتا لديه مشاعر القومية العربية الجياشة.
عشق السفر
قلما يمر وقت قصير دون أن ينتقل من مكان إلى آخر وبالذات حين أنهى دراسته الجامعية في القاهرة وعمل سفيرًا في دول عديدة مقيمًا وغير مقيم. وحتى عندما عين وزيرًا للثقافة والإعلام، ثم وزيرًا للثقافة والفنون والتراث، كان دائم السفر ودائم العلاقات والاتصال بالعالم الخارجي. وجاءت حملته إلى اليونسكو التي زار خلالها أكثر من خمسين بلدًا لتضيف بعدًا جديدًا لحياته. وأصبحت حياته الخاصة والعامة مرتبطة بالسفر الذي كان بالنسبة إليه وسيلة للنهل من ينابيع العلم والمعرفة والانفتاح على العالم وثقافاته.
التصوير والعلم
بدأت علاقته بالتصوير الفوتوغرافي في نيويورك. ورغم مشاغل الحياة فإنه يعود إلى هذه الهواية من وقت لآخر. وتعمقت العودة للتصوير الفوتوغرافي أثناء الحجر الصحي الذي فرضته جائحة كورونا لشهور عديدة مع توفر كاميرا هاتفية متطورة، فكرس بعض الوقت لهذه الهواية، وكان كل صباح يزود متابعيه في إنستغرام وفيسبوك بعدد من الصور التي نالت الإعجاب والثناء، وكلها مركزة على جمال وسحر الطبيعة، وفي مكان محدود هو رأس لفان في لحظات الغروب والشروق وفي البحر والصحراء. وقد وجد في مكتبة قطر الوطنية من الكتب والمراجع ما يشبع فضوله عن تاريخ التصوير.
الأوسمة والتشريفات
نشاط غير المحدود وعطاؤه اللامشروط وإسهاماته الجليلة في خدمة وطنه أهلته للحصول على أعلى وسام قطري: ألا وهو وشاح صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في أكتوبر/تشرين الأول 2017، بالإضافة إلى العديد من التكريمات والتشريفات الأخرى، إذ حصل على الدكتوراه الفخرية من جامعة «روما تور فيرغاتا» بالعاصمة الإيطالية روما في سنة 2016، واختير رجل التراث العربي لعام 2016 من مركز الإعلام السياحي، وحصل على ميدالية الفنون والآداب للجمهورية الفرنسية سنة 2014، وعلى ميدالية «جوقة الشرف» للجمهورية الفرنسية سنة 1984 ووسام الاستحقاق الوطني لرئيس الجمهورية الفرنسية 1980، بالإضافة إلى أوسمة من الأردن وإسبانيا وإيطاليا والأرجنتين وميدالية ملكة هولندا وميدالية جمهورية بولندا.
توريث النجاح
رزق بدرة حياته الأولى إيمان في بيروت، وتميم في دمشق، وعمران في فرنسا، وقد أدت زوجته أم تميم دورها في تربية الأولاد على خير وجه. فكان نجاح الأبناء نتيجة تضحية الأم واهتمامها وامتدادًا لمسار وانعكاسًا لنجاحه ومواصلة له، إذ تلقى أبناؤه تعليمهم في البداية بفرنسا وبعدها درسوا في المعهد الفرنسي في الولايات المتحدة الأمريكية، وتخرجوا منه، ليكملوا بعد ذلك مشوارهم التعليمي في جامعة جورج واشنطن ليحصل ثلاثتهم على الماجستير من هذه الجامعة، كما حصل أصغر أبنائه عمران مؤخرًا على الدكتوراه في الطاقة والبيئة.
صعوبات وتحديات: غربة واقتراب من الموت
من طلب العلا سهر الليالي، وكانت ليالي طويلة وأيامه مزدحمة. فقد بدأ رحلة الاجتهاد والعمل شابًا يافعًا؛ سافر وتغرب بعيدًا عن أهله طالبًا للمعرفة والعلم. وكانت تجربة صعبة لكنها ثرية حددت مساره وتوجهاته، ومن أهم التحديات والمواقف الصعبة التي يصعب نسيانها اقترابه من الموت خلال زيارته لمدينة سان سلفادور لتمثيل قطر في حفل تنصيب الرئيس نجيب بوكيلي الرئيس السلفادوري المنتخب. وبعد يوم حافل في الاستقبال ذهب إلى النوم متأخرًا آملًا في نوم هادئ مريح بعد يوم سفر شاق. وفي الساعة الثالثة صباحًا شعر وكأنه داخل طائرة وأن مطبات هوائية في منتهى القوة تهز الطائرة شمالًا وجنوبًا وتكاد تسقط. استيقظ مرعوبًا وإذا بالأمر ليس حلمًا، بل واقعًا يتمثل في أن زلزالًا يحدث إذ وقعت الأشياء على الأرض وتناثرت الكراسي والفاكهة وتشققت الجدران وسقف الغرفة يكاد يقع. كل شيء كان يهتز بعنف. آنذاك أدرك أن المنية قد حانت فتشهد واتجه إلى الباب بصعوبة، وكاد يسقط لاهتزاز الأرض، ثم تلت الهزة الكبيرة هزات صغيرة، واستمر جو الرعب. وكان الناس يتدافعون للوصول إلى باب السلم للنزول من الدور الرابع. نزل من السلم مسرعًا، وفي البهو وعند باب الفندق التقى النزلاء في لحظات رعب رهيبة. وقد استغرقت الهزة الكبيرة تسعين ثانيةً بقوة 6 درجات على مقياس ريختر، ولكنها بالنسبة إليه بدت وكأنها دهر. وبعد صراخ وبكاء بدأ الناس يتبادلون الحديث وكل يتكلم عن تجربته مع الزلزال، ورجع بعضهم بعد حين إلى الغرف وبعضهم ارتابه الخوف من الصعود حتى النهاية، وأنزلت حقائبه ورحل أما فلم يصعد إلى الغرفة حتى تناول الإفطار صباحًا بعد الساعة الثامنة.
تجربة نيويورك: قسوة التفاحة الكبيرة
أيضًا لم تكن رحلته للولايات المتحدة الأمريكية سهلة، فقد وصل إلى نيويورك في مطلع مايو/أيار 1984 للاضطلاع بمهمة مندوب قطر في الأمم المتحدة. لم يصطحب معه عائلته في البداية على أن يلحقوا به بعد انتهاء السنة الدراسية. لم يكن قد زار نيويورك قبل ذلك، وكان عليه التعرف إليها ليتمكن من الإبحار فيها بنجاح. أدرك منذ اللحظة الأولى أن «التفاحة الكبيرة»-كما يحلو للأمريكان تسميتها - ليست سهلة الهضم، وأن عليه أن يفهمها فهي مختلفة تمامًا عن باريس الناعمة، وأنها قاسية في بدايتها.
مثلت نيويورك بالنسبة إليه فرصًا وتحديات تسيران في خط واحد. فلكي تستفيد من الفرص عليك أن تواجه التحديات حتى تحقق في نهاية المطاف ما وضعته لنفسك من رسالة وأهداف، ووجد نفسه أمام خيارين: إما أن تسير الأمور بشكل روتيني ويتعامل مع الأمور حسب متطلباتها اليومية وتمر الأيام وتنتهي المهمة، أو يتحمل المسؤولية ويشرف وطنه. اختار الخيار الثاني، ووضع لنفسه خريطة طريق، وانتقل من مرحلة إلى أخرى قائمًا في الوقت نفسه بمتطلبات العمل اليومية في البعثة وفي مقر الأمم المتحدة، فعمل على إتقان اللغة الإنجليزية إتقانًا كاملًا وإتقان الخطابة في حضور جمهور كبير. وقد تصدى للتحدي الأول بالالتحاق بمعهد وبدروس خصوصية في المنزل، وكان أول خطاب يلقيه في الجمعية العامة قد أعد له العدة فكتبه وراجعه مرات عدة وشكل النص بلون مختلف، ومع ذلك كان متوترًا جدًا قبل إلقائه. عندما حان الوقت كان في صوته حشرجة، كان يرتجف وكان الحل أنه التحق بدورة للخطابة في مدرسة التعليم المستمر في جامعة نيويورك استمرت ثلاثة أشهر، وكان لهذه الدورة تأثيرها الكبير في حياته.
يعد تاريخه الثقافي جزءًا من تاريخ بلاده ومن تاريخ الثقافة العربية والإسلامية؛ لذلك يواصل توثيق تجاربه ونشرها لتكون مرجعًا تاريخيًا ومصدر إلهام للشباب. وقد ترجمت مؤلفاته إلى لغات عدة، ويواصل تقديم المبادرات التي تخدم وطنه والإنسانية.