

هيا المعضادي
صنعت من التعلم المستمر منهجًا للقيادة، واستثمرت تجاربها في تمكين الأفراد وصناعة الأثر.
النسخة النسائية الأولى · 2022 · الصفحات 367–374
الدكتورة هيا محمد الفرهود المعضادي، استشارية في تنمية المهارات البشرية والتمكين وصناعة المؤتمرات، ومؤسسة مركز الفرسان للتدريب والاستشارات، ومستشارة في وزارة الثقافة والرياضة.
شخصية طموحة مثابرة وثبت فوق العقبات، لم تثنيها صعوبات الحياة والتزاماتها العائلية عن مواصلة مسيرتها المهنية وتحقيق النجاح لنفسها وتعبيد طرقه لغيرها، استثمرت كل فرصة لتطور شخصيتها وتنمي مهاراتها لتكون قائدة وتصنع قادة، بحثت عن القدوة فوجدتها في جدها ووالدها والكتب وفي التاريخ وفي قادة قطر المخلصين فتعلمت منهم العزيمة والإصرار وتحدي الصعاب وسارت على نهجهم وخطاهم، امرأة ليست ككل النساء متجددة في شخصيتها ومبتكرة في فكرها قائدة بالفطرة ومؤثرة تشع طاقة إيجابية، هي استشاري تنمية مهارات بشرية وتمكين وصناعة مؤتمرات مؤسس مركز الفرسان للتدريب والاستشارات مستشار بوزارة الثقافة والرياضة، وجدت الدعم من والدها وإخوتها ثم زوجها فردت لهم الجميل من خلال تقلدها مناصب عليا وتحقيق النجاح وخدمة مجتمعها لتكون مصدر فخر لهم.
مسيرة دراسية متقطعة يقودها الطموح
دخلت المدرسة في سن الخمس سنوات مع أختها لأنها ترغب في مرافقتها وكانت متحمسة جدًا للمدرسة والتعليم وكانتا الأختين دائما تحصلان على المرتبة الأولى والأولى مكرر إلى أن وصلت للصف الخامس، حيث اضطرت إلى الانقطاع عن الدراسة بسبب ظروف عائلية وبقيت في البيت لمدة سنتين، وهو ما كان محبطا بالنسبة لها خاصة عندما سمعت الإعلان عن أسماء زميلاتها الناجحات في الفصل السادس في الإذاعة وهو ما أحزنها كثيرًا وجعلها تقرر العودة إلى مقاعد الدراسة بنظام المنازل، واستمرت في التعليم المنزلي وكانت تدرس كل المواد بنفسها وخصصت مدرسة لمادتي الإنجليزية والرياضيات إلى أن وصلت الصف الأول الثانوي، لكنها لم تكمل السنة الدراسية، تزوجت وبدأت مرحلة جديدة من حياتها بكثير من الالتزام والتفاني، وهو ما تسبب في إيقاف مسيرتها الدراسية مرة ثانية والحد من طموحها وابتعادها عن شغفها لمدة أربع سنوات لكنها في الوقت نفسه لم تستسلم واستغلت فرصة التوقف للتثقيف الذاتي وتكثيف القراءات وتطوير المهارات والتخطيط للمستقبل، لترجع بعدها لنفس الصف الأول ثانوي وتكمل الثانوية بنظام مسائي، ثم التحقت سنة 1988 بجامعة قطر في تخصص اللغة الإنجليزية التي تعشقها وتعتبرها مفتاح التعرف على الثقافات، ورغم تأخرها لمدة أربع سنوات عن باقي زميلاتها إلا أنها تداركت السنوات الضائعة من حياتها وعوضتها من خلال الاجتهاد والعمل وتحقيق التوازن بين الدراسة والعمل في جامعة قطر الذي استمر على مدار 6 سنوات كانت تقضي معظم أوقاتها في المكتبة.
القدوة الحسنة
رغم تقطع المسيرة الدراسية في فترة الطفولة وجدت الصغيرة أكثر من مدرسة داخل العائلة بداية من جدها من الوالد الذي تعلمت منه الكثير فهو المدرسة الأولى في حياتها، فكان قدوتها في العمل التطوعي وخدمة الآخرين والوقوف معهم في أزماتهم ومحنهم وكان نعم السند، وتعلمت من والدها كعضو في مجلس الشورى الالتزام وخدمة المجتمع فكانت رغم صغر سنها تساعده في ملفاته وتحضير المواضيع والمقترحات وكان هو المدرسة الثانية، أما المدرسة الثالثة فهي أمها التي زرعت فيها القيم من خلال قصصها اليومية قبل النوم وحزاويها، ومن عمها – رحمه الله –، تعلمت الكثير وقرأت الكثير من مكتبته العامرة فنهلت من كتب المنفلوطي وأحمد شوقي ولأدباء ومفكرين وكتاب المدينة الفاضلة لأفلاطون قبل أن تبلغ الثامنة من عمرها.
من الجامعة إلى مسار القيادة
بعد التخرج سنة 1994 لم تكن ترغب في مغادرة جامعة قطر التي قضت فيها أجمل أوقاتها وتعلقت بها لا سيما مكتبتها، كما أنها لم تكن ترغب في العمل كمدرسة، وكان لها ما أرادت حيث تم توظيفها في جامعة قطر التي قضت فيها بعد ذلك 18 سنة مليئة بالنجاحات والإنجازات، لكن شغفها للتجديد والتقدم والتطور دفعها لتغيير مجال عملها بعد ما شعرت أنها قدمت كل ما تستطيع وأنه حان الوقت لخوض تجربة جديدة فغادرت سنة 2003 جامعة قطر لتلتحق بوزارة التربية والتعليم وعملت بمكتب سعادة السيدة شيخة المحمود – رحمها الله – كخبير تربوي حتى 2006 وهي نفس السنة التي حصلت فيها على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة آدم سميث في أمريكا، ثم طلبت إحالتها على التقاعد، وفي نفس الوقت واصلت تطوير نفسها من خلال التدريب لا سيما أنها كانت ناشطة في العمل التطوعي والمجتمعي لمدة 25 عاما، إلا أنها فوجئت بعدم وجود أي مركز يرضي طموحها ويقدم لها الإضافة التي تتمناها وهو ما جعلها تقرر فتح مركزها التدريبي الخاص.
تغير المسار: محطة جديدة في التدريب
لم يعد تطوير الذات يرضي طموحها، حيث أصبحت تسعى إلى تطوير غيرها ونقل خبراتها المتراكمة التي اكتسبتها على مدار السنين لمن يحتاجها، فأسست مركز الفرسان للتدريب والاستشارات سنة 2004 الذي بدأ بعد تأسيسه مباشرة بتقديم مجموعة من الدورات حول كيفية تنظيم المؤتمرات والبروتوكول والإتيكيت، وحيث تم تنفيذ أول دورة في مجال المؤتمرات سنة 2005 كانت تجربة ثرية ومفيدة، لكن الغاية الأساسية من تأسيسه لم تكن الربح المادي بقدر ما كان اكتساب مهارات في مجال إدارة الفعاليات وصناعة المؤتمرات والتعامل مع الثقافات المختلفة وخدمة المجتمع فحاولت تحقيق التوازن بين الربح والخدمة المجتمعية في الوقت نفسه، وقد تمكنت من تحقيق غايتها لا سيما فيما يخص تطوير المرأة وتمكينها، وأسست وقدمت مشروع تمكين المرأة خارج مدينة الدوحة إلى أن اشتغلت عليه لما يقارب الخمس سنوات ليكون مشروع دولة وقد حققت فيه هدفها، حيث كانت تطمح لتخريج 270 قائدة، لكن النتائج كانت أفضل مما تتمنى وتطمح ففاق عدد المتخرجات من هذا المشروع 430 امرأة تغير مسار حياتهم. كما نجحت في تخريج أربع دفعات في برنامج «إتقان» بمجموع 94 مدربًا محترفًا يسهمون في تحقيق ركيزة التنمية البشرية لرؤية قطر 2030.
العمل المجتمعي يوسع أثر التدريب
حب التطوع والمساعدة غرس فيها منذ الطفولة، إذ دخلت العمل التطوعي منذ أن كانت طالبة في المرحلة الابتدائية حيث التحقت بفريق العمل التطوعي في المدرسة وكانت لها أنشطة كثيرة وفي جميع مراحل الدراسة، حتى أنها عند التحاقها بالجامعة سارعت بالبحث في مبنى إدارة النشاط الطلابي عن أنشطة تطوعية، ومن أهم الأعمال التي قامت بها كانت المشاركة في الفعاليات الإغاثية والإنسانية مثل حملات إغاثة مسلمي البوسنة، وللوقوف مع أي قضية تحفظ كرامة الإنسان/ كما أدارت مجموعة كبيرة من المشاريع التي تخدم جميع فئات المجتمع من بينها برنامج سفراء الثقافة القطرية لمدربي المستقبل بمركز «نوماس» ومشروع «البرنامج التدريبي المتكامل لتطوير مهارات الشباب القطري» لإعدادهم لسوق العمل بالتعاون مع إكسون موبيل ومركز قطر التعليمي والذي ما زال مستمرا، والبرنامج الوطني لتمكين المرأة ومشروع «شكرًا لك» للعمال الذي انطلق منذ سنة 2005 وما زال قائما. ونفذت خمسة عشر مشروعًا بين مشاريع تمكين إداري وتكنولوجي واقتصادي.
القيادة أمام عوائق الطريق
من أكبر التحديات التي واجهت خلال فترة دراستها الجامعية أنها التحقت بالعمل بالجامعة بينما كانت طالبة في قسم اللغة الإنجليزية فكانت تدرس كطالبة من الساعة السابعة صباحا في الفترة الصباحية ثم تضع حقيبتها الجامعية تحت المكتب وتباشر عملها كمشرفة إدارية في الفترة المسائية، فتجاوزت فترة دراستها في الجامعة الأربع سنوات، كما واجهت تحديا كبيرا على المستوى الأسري، حيث تعرض زوجها لمشاكل صحية وهو ما جعلها تطلب إحالتها للتقاعد سنة 2006 لتتمكن من رعايته بينما كانت في أوج عطائها وتألقها بعد مسيرة طويلة مكللة بالنجاح.
التغيير
من أهم أهدافها ومبادئها في الحياة هي التغيير نحو الأفضل سواء على المستوى الشخصي أو في المحيطين بها والمنتفعين بخدمات المركز التدريبي، فكانت حريصة أشد الحرص على أن تجعل من المتدربات قائدات فاعلات ومؤثرات يساهمن بشكل كبير في خدمة مجتمعهن واستغلال هامش الحرية الكبير الذي منح لهن، وبعد أن شعرت أنها حققت غايتها في جعل المرأة القطرية شريكة فاعلة على مختلف المستويات لا سيما في ظل ما حققته المرأة القطرية من إنجازات ونالته من حقوق، قررت المرور للخطوة الموالية وهي تنفيذ نفس الرؤية والمشروع مع فئة الشباب التي تصب حاليًا جل اهتمامها عليهم لتساهم في صنع أجيال جديدة من القادة معتمدة في تدريبها على مرجعية الدين الإسلامي الحنيف الذي تعتبره المرجع الدائم والصالح لكل زمان ومكان ولكل فئات المجتمع دون استثناء.
نظرية كرة البينغ بونغ
في إطار عملها كمدربة تلتقي بالعديد من النساء المحبطات اللواتي تعرضن لصدمات نفسية وعاطفية قوية ومعظمهن في حالة انهيار بسبب الطلاق أو الترمل أو التعرض للعنف الأسري وما إلى غيره من حالات، فتحاول الأخذ بأيديهن من الهاوية إلى القمة، وتساعدهن على تحويل ألمهن إلى طاقة عمل، وتعتمد في تدريبها على إقناع المتدربات بضرورة الكفاح وعدم الاستسلام للظروف، وهي عادة ما تشبه الانتكاسة والسقوط الذي يتعرض له المرء في حياته بكرة البينغ بونغ كلما كان ارتطامها بالأرض أقوى ارتفعت أكثر؛ بمعنى أن ازدياد المعوقات في الطريق يجعل النجاح أكبر لأن الإنسان الواعي يستغل لحظات الفشل ليحولها إلى فرص نجاح، وللتعرف على نقاط ضعفه ويقويها وأماكن الخطأ ليصلحها وليتمكن من إعادة حساباته والنظر من منظور جديد لا أن يتقوقع على نفسه.
إن لم يكن لك هدف، فارسم واحدًا
عادة ما تدعو المتدربات إلى التعرف على ذواتهن ومعرفة نقاط القوة ونقاط الضعف ليتمكن فيما بعد من ترتيب حياتهن بناء عليها وهي تنصح جميع البنات بوضع خطة لحياتهن قبل الدخول للثانوية العامة من خلال الإجابة على سؤال مركزي ومحوري وهو ماذا أريد؟ وأين أرى نفسي بعد عشر سنوات؟ وتحفزهن على إيجاد الشغف ومعرفة ميولهن واتباعه وإيجاد طريقهن الخاص وعدم السير خلف الآخرين، والصدق مع النفس لكيلا تتعرض للانتكاس في مرحلة الجامعة لأنها تعتبر أن مرحلة الجامعة هي مرحلة النضوج ويبدأ خلالها حصد ثمار المراحل السابقة، ولا يكون هناك مجال للتراجع أو التغيير.
وتدعو الشابات إلى عدم الربط بين الهواية والمهنة لكيلا يصبن بالإحباط عند الحصول على الوظيفة التي يمكن ألا تتوافق مع مجالات اهتماماتهن، فالوظيفة هي مصدر توفير متطلبات الحياة في حين أن الهواية فرصة للترويح عن النفس.
رسالة إلى الشابات
تدعو الشابات إلى أن يكن قائدات أنفسهن ولا ينتظرن التغيير من الخارج فهو يبدأ منهن ولا أحد يمكنه أن يغيرهن سوى أنفسهن ولاكتشاف ذواتهن والطاقة الكامنة داخل كل واحدة، ففي حال تمكنت المرأة من التعرف على نفسها ستتمكن من التعامل مع كل ما يحيط بها من أشخاص ومواقف ويجب أن تؤمن بنفسها وبقدراتها ولا تقلل من قيمة نفسها حتى وإن كانت ربة منزل وأن تعيش من أجل نفسها وأن تحقق ذاتها، وتؤكد أن التضحية لا يجب أن تكون على حساب نفسها لكي لا تصاب بالأمراض النفسية، لأنه طالما كانت المرأة صلبة وقوية ومتماسكة ستكون العائلة بأفضل حال وسيستمد منها كافة أفراد العائلة القوة، فالمرأة إن لم تكن صاحبة قرار وشخصية قوية فلن تكون الأسرة ناجحة، وتدعو الأمهات إلى التجديد والبحث عن الشغف في الحياة وفتح صفحات جديدة وتغيير الوظيفة في حال شعرت بالملل وأصبح أداؤها روتينيًا، وتدعو الأمهات اللواتي أدين واجبهن ورسالتهن وأوصلن أبنائهن إلى بر الأمان إلى مواصلة العطاء بطرق أخرى سواء لنفسها أو لمجتمعها، فهذه المرحلة هي المناسبة للاهتمام أكثر بالنفس والمشاركة في دورات تدريبية وممارسة الرياضة والاهتمام بصحتها وتكوين صداقات جديدة والسفر، كما تدعوهن إلى صناعة هدف جديد يتماشى مع خصوصية كل مرحلة إذ يمكنها المساهمة في خدمة المجتمع من خلال العمل التطوعي لمساعدة الآخرين سواء بالعلم أو المال أو بالجهد والوقت.