لينا العالي
دليل الشخصيات ←

لينا العالي

رسمت أحلامها بالفرشاة وكتبتها بالحبر، فحولت الانكسارات إلى فن وكتب تفتح للأطفال أبواب الخيال.

النسخة النسائية الأولى · 2022 · الصفحات 219–226

لينا عبد الله العالي، فنانة تشكيلية وكاتبة أطفال ومعلمة وخبيرة جرافيك ومدربة معتمدة.

رسالتها في الحياة «لكي تظل متميزًا عليك بالتعليم المستمر»، رسمت أحلامها بالفرشاة وخطت سطور نجاحها بالحبر فصنعت لنفسها أسلوبا وخطا مميزا وعكست رسوماتها العديد من القضايا، وأسرت كتاباتها قلوب الأطفال، لم يكن النجاح وليد الصدفة أو ضربة حظ بالنسبة لها بل هو ثمار الشغف بالفن منذ نعومة أظفارها وتشجيع من والدها الذي آمن بموهبتها وشجعها على صقلها فتخصصت في الفنون البصرية، الفنانة التشكيلية والكاتبة منسقة فنون بصرية سابقا، معلمة وخبير جرافيك في العلاقات العامة بوزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، مدرب معتمد، عضو كتاب المستقبل، عضو بمجلس إدارة الجمعية القطرية للسرطان، الرخصة الدولية للمسؤولية المجتمعية، شكلت علامة فارقة في الفن التشكيلي والأدب القطري ترعرعت في عائلة محبة للفن والكتابة وكان عمها أول من أنشأ فرقة مسرحية في قطر، حولت نقاط ضعفها إلى قوة وصنعت من أيام الانكسار مركبا شراعيا أبحرت عبره في عالم الإبداع، تحدت نفسها وبحثت عن الإلهام فوجدته في قضايا مجتمعها وفي وجوه المحيطين بها، عانت من فقدان أقرب الناس إلى قلبها والدها فواجهت الاكتئاب بالقلم والفرشاة والانغماس في الفن ودفعتها ثقتها في موهبتها ويقينها بقدراتها وعزمها على تحقيق حلم «والدها» – رحمه الله – للتشبث بحلمها فجعلت لنفسها أسلوبا تعبيريا خاصا مرتبطا بالذات والمرأة، وطبقته بالفرشاة وواصلت تطوير نفسها وتخطت كل التحديات لتصبح من أبرز الأقلام في قطر في أدب الطفل.

الموهبة

تلك المرأة الواثقة صاحبة الحضور القوي «» كانت طفلة خجولة ينقصها الثقة بالنفس تقلد أختها الكبرى في جميع تصرفاتها وكانت فضولية وكثيرة الأسئلة لدرجة مزعجة، لم يدخر والدها – رحمه الله – جهدا لتعزيز ثقتها بنفسها فكان يحتفل بإنجازاتها البسيطة ورسوماتها وكان يتفاخر بها أمام الجميع ويعطيها دافعا للمزيد من الاجتهاد وتطوير الذات سواء في الفن أو الدراسة، حيث كان يقدس العلم والمعرفة وحريصا على تفوق أبنائه، وهو ما جعلها طالبة متميزة ومجتهدة، وقارئة نهمة حيث كانت تمضي كثيرًا من الساعات في القراءة بدأت من الحديقة الخضراء ومجلة «ميكي» ثم مجلة «ماجد» ثم روايات عبير ثم كتب نجيب محفوظ ومن أكثر الكتب التي أثرت فيها هي كتاب «حول العالم» في 200 يوم للكاتب أنيس منصور.

بعد انتهاء المرحلة الثانوية كانت مترددة بين دراسة اللغة الإنجليزية أو التخصص في الفنون البصرية وفي النهاية أخذت بنصيحة عمتها التي كانت مهتمة بالفن ووالدها الذي شجعها على اتباع شغفها، وعند دخول جامعة قطر في تخصص الفنون البصرية لقيت المساندة والتشجيع من الدكتورة «ليلى علام» رئيسة قسم التربية الفنية آنذاك، التي كانت مصدر إلهام بالنسبة لها في أسلوبها في الفن وتعلمت منها أسلوبها الطفولي حتى إنها فازت بالمركز الثاني في إحدى المسابقات التي أطلقتها الجامعة وحصلت على معدل تراكمي مرتفع، ولم يتوقف عشقها للفن على الجامعة، بل حاولت تطويره بشتى الطرق وتأثرت كثيرًا بأسلوب الفنان العالمي «ميرو»، وقد نمت هذه الموهبة خلال رحلتها للقاهرة حيث أخذت دروسا خصوصية في الفن.

بداية متأخرة وخطوات سريعة وثابتة

رغم تخصصها في مجال الفنون البصرية في جامعة قطر وشغفها للفن إلا أنها ابتعدت عنه لسنوات طويلة بسبب انشغالها بالتعليم وتفرغها لأسرتها ولتربية أبنائها وتعليمهم وعندما شعرت أنها أدت الرسالة وأوصلتهم إلى بر الأمان بعد أن اشتد عودهم، قررت أن تعمل على تحقيق طموحها الشخصي والعودة لممارسة شغفها الذي كانت قد أجلته لسنوات طويلة وبدأت في شق طريقها وكلها عزيمة وإصرار على رسم بصمتها المميزة في مجالي الفن التشكيلي والكتابة، فشاركت في العديد من الدورات التدريبية وقررت تنظيم أول معرض فني لها في كتارا وكان بعنوان «زهو» من الافتخار والعز وتحقق الحلم أخيرا وقد لقيت تغطية إعلامية كبيرة إضافة إلى حضور العديد من الشخصيات الفاعلة في المجال الفني والأدبي والاجتماعي وقد لاقى صدى كبيرا وقد تذوقت طعم النجاح الذي حفزها على مزيد من العطاء فتوالت المشاركات الخليجية والعربية من بينها ملتقى البحرين وملتقى الإمارات، كما شاركت في جداريات كتارا، وهو ما جعلها تكتشف في نفسها طاقات وقدرات جديدة واتجهت بعدها إلى تطوير رسم المرأة الذي كان بوابتها لإقامة معرض ثان في كتارا بعنوان «ملامح أنثى» عام 2018 وعرضت لوحاتها في العديد من دول العالم على غرار الصين والكويت والأردن.

عالم أدب الطفل

وبالتوازي مع نجاحاتها في المجال الفني دخلت مجال الكتابة ولقيت تشجيعا من الكاتبة ثريا نافع التي حفزتها على تكثيف قراءاتها وتنويعها فأصبح الكتاب رفيقها حتى اكتسبت مهارة الكتابة الإبداعية، وتشجعت لتخطو خطوة جديدة في مجال لطالما حلمت بسبر أغواره فأصدرت قصتها الأولى «إديدة ياحبابة» مع بلاتنيوم بوك وقررت بعدها المشاركة في جائزة أدب الطفل ورغم أنها لم تحز على أي جائزة إلا أنها قررت الاستمرار في مجال الكتابة وشاركت في عدد من الدورات المقدمة في معهد الجزيرة الإعلامي وفي ورشة كتابة الطفل مع مكتبة قطر الوطنية وقررت تحويل قصصها باللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية وبدأت في إصدار القصص الموجهة للطفل بشكل متتالي وكانت جميع الرسومات من إبداعها وقد تشجعت على المواصلة بعد إنشاء دور نشر محلية فما إن فتحت دار روزا للنشر أبوابها تعاونت معها لطباعة ونشر قصة «الكتاب ذو الأرجل» ثم قصة «وردة الصحراء» التي لقيت نجاحا كبيرا وتمت ترجمتها إلى اللغة الصينية.

وواصلت التقدم بخطى ثابتة وكانت تصدر قصة واحدة سنويا منذ سنة 2015 كما تمكنت من الفوز بالمركز الثالث في مسابقة أفضل نص مسرحي التي أطلقها مركز شؤون المسرح بالتعاون مع الملتقى القطري للمؤلفين سنة 2019، وتواصلت الخطى الثابتة، فقد حققت قفزة نوعية سنة 2020 عندما أطلقت مبادرة في أدب الطفل استمرت لمدة ثلاثة أشهر مع الملتقى القطري للمؤلفين وقدمت بالتعاون مع دار نشر جامعة قطر ودار نشر جامعة حمد بن خليفة لإصدار مجموعة من القصص من بينها «حبة اليراوة» و «عبد الرحمن قاهر السرطان» بالتعاون مع دار لوسيل وقد خاضت في هذه المرحلة تجربة جديدة مختلفة وهي أن تكلف فنانا آخر برسم رسومات قصصها، وذلك لتركز جهودها على الكتابة.

وقد تم ترشيحها مؤخرًا من قبل سعادة وزير الثقافة والرياضة لكتابة 6 قصص تاريخية عن قطر للطفل واليافعين وهو ما تعتبره أكبر شرف وإنجاز لها في مسيرتها في كتابة أدب الطفل، وكانت حول 6 مناطق تاريخية وأثرية بطريقة تعتمد على الخيال العلمي.

ولم تقف إنجازات ونشاطات عند هذا الحد فقد شاركت في فترة الحصار بأكبر فعالية تحت مسمى الريشة والمداد وشاركت في تنظيم العرضات خلال فترة الحصار بالتعاون مع وزارة الثقافة والرياضة وقدمت العديد من الدورات في مجال الكتابة للطفل بالتعاون مع كتاب المستقبل مع مؤسسة عيد الخيرية لتطوير الطفل، كما حرصت على المشاركة الفعالة والهادفة في مختلف المحافل الثقافية لا سيما فيما يتعلق بمجال أدب الطفل.

اللون في مواجهة الانكسار

شهدت حياتها الكثير من التحديات بداية من مرحلة الطفولة بسبب مشكلة في نطق اللغة العربية لأنها كانت تتكلم اللغة الإنجليزية إلى أن وصلت للصف الرابع فأصبحت من المتفوقات، لكن ظل هاجس اللغة العربية يطاردها حيث إنها تحلم دائما أنها تجري اختبارا في اللغة العربية وترسب.

وفي بداية مشوارها في الفن واجهت عدة صعوبات لعدم إلمامها بالمستجدات وهو ما جعل بداياتها متعثرة وجعلها تشارك في العديد من الدورات لتطوير أسلوبها الخاص في الفن، لكن أقسى وأصعب التحديات فكان مواجهة ألم الفقد بعد أن خسرت والدها – رحمه الله – الذي كان داعما ومساندا لها وهو تسبب في دخولها في حالة اكتئاب.

ليلة حزينة وانكسارات متتالية

في الساعة الثالثة فجرا في ليلة رمضانية تلقت العائلة مكالمة هاتفية تعلمهم بوفاة «والدها» – رحمه الله – بينما كانوا يتوقعون تحسن حالته الصحية وعودته إلى بيته وهو أصعب موقف تعرضت له في حياتها وما زال إلى اليوم يلقي بظلاله عليها وما زال وجه والدها الممتد على السرير الأبيض لا يفارق خيالها وقد تعاظمت المشكلة بعد وفاة زوج خالتها وابن خالتها في يوم واحد، فدخلت في مرحلة اكتئاب جديدة هذا بالتزامن مع تعرضها لمشاكل صحية بسبب فقر الدم ورجعت للمستشفى الذي فقدت فيه والدها مجددا، فلم تتمكن من احتمال الألم الذي عصف بقلبها والذي لا يمكن أن يراه أحد بالعين قد أطاح بها، فإنها تبحث عن دواء وعلاج الفقد الذي لا يمكن لأحد أن يشعر بها إلا من فقد أباه.

التحدي وتجاوز الأزمة: أمل وإبداع من رحم المعاناة

بقيت فترة طويلة سجينة للألم وحالة الاكتئاب التي شاءت الأقدار أن تجتمع مع الإعلامي

«حسن الساعي» الذي كان هو بوابة الدعم لها ورفع معنوياتها وأخرجها من حالة الانكسار وكان بمثابة المعالج بالنسبة لها وسألها ماذا تحلمين، فكانت الإجابة أنها تحلم بالرجوع للفن وبقوة وأن تصبح فنانة تشكيلية وأن تصبح مؤثرة وأن تكون لها رسالة وشاركت بعد ذلك في ورشة للفنانين والتي كانت الانطلاقة لها في عالم الفن وبعدها انضمت إلى الجمعية القطرية للفنون التشكيلية ثم صارت عضوا في مجلس إدارتها وهو ما أضاف لها خبرة وعزز رجوعها لعالم الألوان عبر أوسع الأبواب، كما كان «لعائشة الكواري» صاحبة دار روزا للنشر دور كبير في تشجيعها على دخول مجال التأليف بعد أن اقترحت عليها المشاركة في جائزة أدب الطفل ورسم القصة وقد شاركت بالفعل في المسابقة لكن الحظ لم يكن حليفها وهو ما دفعها لمزيد من تطوير نفسها من خلال الورش والقراءة وتحدي نفسها واستكشاف قدراتها وكسر عقدة الطفولة التي رافقتها في مختلف مراحل حياتها وهي عدم إتقانها للغة العربية وبالفعل نجحت في فترة قياسية من أن تكون من ألمع الأقلام في مجال الكتابة للطفل.