

عائشة همام
جعلت التمريض رسالة إنسانية، وواجهت الغربة والتحديات لتبقى قريبة من المرضى والعلم والعطاء.
النسخة النسائية الأولى · 2022 · الصفحات 169–174
عائشة همام سالم، مديرة التمريض للتصوير الإكلينيكي في مؤسسة حمد الطبية، وأول ممرضة قطرية متخصصة في طب الأطفال.
ملاك للرحمة، أم لثلاث بنات في البيت ولجميع الأطفال في المستشفى تحدت جميع العراقيل والمشقات لتكون اليد التي تداوي جراح المرضى والعين التي تسهر على راحتهم والجندي الذي يحميهم ويسهر عليهم عندما ينامون، التمريض بالنسبة لها ليس مهمة نبيلة فحسب، بل هو رسالة إنسانية ومسؤولية كبيرة، فهي أول ممرضة قطرية متخصصة في طب الأطفال.
جاهدت وناضلت وبذلت التضحيات من وقتها وجهدها لتتقدم في كل خطوة من مسيرتها العملية ولم تحصل على شيء بالمجان أو دون تعب، وقد شغلت منصب مدير التمريض للتصوير الإكلينيكي بمؤسسة حمد الطبية، التمريض بالنسبة لها لا يقتصر على العناية الطبية بل الكفاءة والمهنية لفهم احتياجات المريض ومشاكله، وهو في عالمها شغف وعلم وفن انتشال التعاسة من قلوب المرضى واستبدالها بالبهجة والمرح، تحدت عادات المجتمع واختارت شريك حياتها من غير الجنسية القطرية، انتقلت إلى بلد جديد واندمجت في ثقافة مختلفة فصارت داعية للإسلام في ناميبيا وصاحبة رسالة دينية وأخلاقية وإنسانية، كما مدت يد المساعدة لكل من يحتاجها فأصبحت ناشطة اجتماعية وقامت بدور توعوي وتعليمي لنساء كن في أمس الحاجة ليد تربت على أكتافهن وتساعدهن على تحصيل لقمة العيش.
طفولة تمهد لرسالة التمريض
نشأت في عائلة محافظة غرست فيها مبادئ أخلاقية عالية وكانت سببا في توجهها لاختيار مهمة التمريض حيث كان والدها الذي يلقب بهمام معروفا بإتقانه عمله في البناء ونشاطه وهدوئه وقلة الكلام مقابل سرعة الإنجاز، وكانت تستمتع بمشاهدة والدها خلال إنجازه عمله وهو يقوم بتأسيس الحائط وجعله في خط مستقيم بتوازن من غير خطأ يقضي الوقت الوفير في إتقان عمله، وكانت تعتبره مثال الصبر والعزم والعصامية، أما والدتها فرغم كونها ربة بيت إلا أنها حريصة على إتقان كل ما تقوم به من مهام دون كلل أو ملل أو شكوى. كما كانت شديدة التعلق بجدتها الكفيفة التي تقوم على خدمتها فتأخذها لزيارة أصدقائها في الفريج وتهتم بها وترعاها وهو ما زرع فيها حب المساعدة وتقديم العناية لمن يحتاجها.
دراسة تمهد للتمريض
بدأت دراسة التمريض في معهد التمريض بقطر سنة 1977 وأكملت دراستها في العاصمة الإيرلندية دبلن لتتخرج برتبة ممرضة مسجلة في أوروبا، لكن طموحها لم ينته عند هذا الحد حيث قررت مواصلة التحصيل العلمي فأكملت دبلوم دراسة العناية المركزة للأطفال وحديثي الولادة ودبلوم تخصص طوارئ الأطفال ودبلوم إدارة التمريض في مستشفى كرملن دبلن، وإثر عودتها لأرض الوطن بدأت مسيرتها بفتح قسم جراحة الأطفال في مستشفى حمد العام حيث تولت منصب مسؤول قسم، وبدأت في إثراء خبراتها بالعمل الميداني وتمكنت من إثبات جدارتها وقدراتها لكنها رغم كل محاولاتها لم تتمكن من تسلق السلم الوظيفي بسبب المتطلبات العالية حيث كانت ملزمة بالسفر لاستكمال دراستها بالخارج وهو ما كان صعبا بالنسبة لها نظرًا لارتباطاتها العائلية حيث إنها متزوجة من رجل ناميبي الجنسية ورزقها الله بثلاث بنات.
الترقية أخيرا
سعيا وراء طموحها سافرت إلى الأردن وحصلت على دبلوم إدارة وبعد الرجوع إلى الوطن سنة 1990 تسلمت مشروع تحويل مركز صحي في شارع السد إلى قسم طوارئ الأطفال وهي مهمة لم تكن بالسهلة فقد كانت تشرف على كل تفاصيل العمل في المركز من ترتيب واختيار الممرضين وتحديد مهام كل واحد فيهم وطريقة التعامل مع المرضى منذ لحظة دخولهم المركز مرورا بمختلف الإجراءات المتخذة في مختلف الحالات وصولا إلى مرحلة السماح للمريض بالخروج من المركز أو المشفى بعد تماثله للشفاء.
ويأتي اليوم الذي يقدر عمل وترفع إلى مساعدة المدير العام لمهنة التمريض لأقسام الأطفال بالوكالة سنة 1995 وهو ما جعلها تشعر أنها وضعت قدميها بالفعل في طريق تحقيق طموحها وبدأت هذا المنصب بكل عزيمة وإصرار، وكانت الخطوة الأولى التي اتخذتها هي تقييم الخدمة والعناية بالأطفال فاكتشفت وجود أطفال في العناية المركزة يعيشون على الأكسجين ولا يستطيعون المشي ولا عيش حياتهم بشكل طبيعي والتمتع بطفولتهم مثل باقي الأطفال فأصبحوا شغلها الشاغل.
استمرت على تمثيل هذا المكان لمدة خمس سنوات ثم رفعت وتسلمت منصب مساعدة المدير العام لمهنة التمريض لأقسام الأطفال لكنها قررت سنة 1999 الاستقالة ودخول جامعة كالجاري لدراسة بكالوريوس تمريض على حسابها ثم تبنتها مؤسسة حمد الطبية، بعدها واصلت تطويرها معارفها من خلال التحاقها بجامعة الرويال كوليدج في «سرجن» لإكمال الماجستير في الإدارة وتحسين الجودة في القيادة في قطاع التمريض والصحة وتخرجت.
التحديات: الزواج من أجنبي
سنة 1985 قررت الزواج من رجل اختاره قلبها من غير الجنسية القطرية ناميبي بعد أن حصلت على موافقة الدولة وكان هذا القرار المصيري الأصعب في حياتها نظرًا لرفض عائلتها القاطع لقرارها وهو ما جعلها تقف أمام مفترق محير بين حب حياتها وإرضاء عائلتها فاختارت أن تتبع قلبها وهو ما تسبب في فتور وقطيعة مع عائلتها تواصل لأكثر من سنة ولم ينته إلا بعد إنجاب مولودتها الأولى بخيتة التي كانت سببًا في لم شمل العائلة بعد افتراق وعادت المياه إلى مجاريها وتمتعت الحفيدة بفيضان حب جدتها وحضنها الدافئ وعطف العائلة الموسعة.
متنقلة بين بلدين
قرار الزواج من أجنبي لم يكن بالنسبة للأستاذة يتوقف عند الاختيار بين الحبيب والعائلة فحسب بل وجدت نفسها أمام تحدٍ آخر أكثر صعوبة وهو أن تختار بين البقاء في وطنها الذي تعشقه أو أن تسافر رفقة زوجها الذي تمسك بقرار الاستقرار في ناميبيا، وهو ما جعل قلبها وعقلها يتأرجحان بين حب اختيارين قاسيين، وفي النهاية حسم الأمر بأن سافرت رفقة زوجها سنة 2000 إلى وطنه لتستقر هناك لتمنح بناتها فرصة التعرف على أهلهم وعلى بلاد والدهم وجذوره، وأقامت هناك لمدة 6 سنوات لم تكن تفوت الفرصة خلالها لزيارة الأهل في قطر كل عطلة مدرسية، فكانت تقضي أسبوعا في قطر بعد كل ثلاثة أشهر في ناميبيا.
لم تندم على قرارها، بل استمتعت بالعيش في ناميبيا رفقة زوجها الذي كان لها نعم الصديق وتمتعت بحب أهله الذين أحاطوها هي وبناتها بالحب والاهتمام حتى أنها لم تشعر يوما بالغربة أو الوحدة، بل كانت تشعر أنها بين أهلها وفي أحضان وطنها.
تعليم العلوم الشرعية في ناميبيا
لم تتمكن التي لطالما كانت نشيطة ومعتمدة على نفسها من البقاء مكتوفة الأيدي فقررت استثمار وقتها في نشاط ينفعها وتساهم من خلاله في التغيير الإيجابي، فمن تعود على العطاء لا يقدر على التوقف فاستثمرت إلمامها بالعلوم الشرعية وخاصة فقه الصلاة والطهارة والتجويد وبدأت تدرس النساء المسلمات كل ما يتعلق بالدين الإسلامي.
الدعوة والنشاط الإنساني
لم يتوقف نشاطها عند تعليم العلوم الشرعية بل اجتهدت لنشر تعاليم الدين الإسلامي والتعريف به بالدعوة للإسلام ففتحت مركزا للإسلام ودرست فيه هي وابنتها فكانت البنت تدرس اللغة العربية والعلوم الإسلامية للأطفال وهي تدرس النساء فقه النساء وقراءة القرآن، كما بنت مسجدا في إحدى المناطق العامرة بالسكان والتي تعرف اكتظاظا كبيرا ونقصا في المساجد، كما كان لها نشاط اجتماعي وتوعوي فكانت تزور برفقة إحدى صديقاتها وهي ناشطة اجتماعية القرى لتعليم النساء الزراعة حتى يتمكن من الاعتماد على أنفسهن وتعطي دروسا عن مرض الإيدز الذي كان منتشرا بشكل كبير وكيفية الوقاية منه.