

محمد الكواري
حمل خبرته العسكرية والرياضية إلى العمل الدبلوماسي، ومثل قطر في محطات دولية بروح القيادة والتسامح.
النسخة الرجالية · 2024 · الصفحات 330–341
سعادة السيد محمد بن جاسم آل جهام الكواري، دبلوماسي قطري.
النشأة والطفولة
ولد في 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1968 م في منطقة بن عمران على غرار أبناء قبيلة الكواري الذين استقروا في المنطقة بعد أن قدموا من منطقة الغارية في نهاية الستينيات من القرن الماضي تلك الحقبة التي شهدت فيها دولة قطر التحولات الاقتصادية والاجتماعية بعد اكتشاف النفط والغاز الطبيعي، وكمعظم القطريين في تلك المدة الزمنية كان والده وأجداده يعملون في الغوص وجمع اللؤلؤ صيفًا ورعاية الأغنام شتاءً. ليغير والده بعد ذلك عمله ويتوجه إلى قطاع المقاولات داخل وخارج دولة قطر، وهكذا بدأ الشغف عند الطفل الفضولي بالسفر ومعرفة العالم حيث كان والده يقص عليه تفاصل رحلاته وعادات الشعوب الأخرى.
وقد وجد الإحاطة من أفراد عائلة كبيرة العدد مكونة من الأب وزوجاته الثلاث وعشرة أبناء وست بنات، هو الأكبر بين الذكور والرابع في ترتيب الأبناء، وعلى الرغم من العدد الكبير لأفراد العائلة إلا أنهم كانوا يعيشون في بيت صغير وهو ما غرس الوحدة والتعاضد بين أفرادها، وجعل الأخوة متقاربين ومتحابين ويتشاركون حتى غرف النوم. وجمعت العائلة علاقة طيبة ووطيدة بجيرانهم ومن بينهم عائلات المنانعة والمهاندة ولكبسة فكانوا يتبادلون الزيارات، وهو ما أسس علاقات اجتماعية طيبة ووطيدة وقائمة على أسس التقاليد القطرية العربية العريقة، وأشاع المحبة والمودة بين أهل تلك المنطقة والتي ما زالت قائمة حتى يومنا هذا. كانت العائلة تجتمع كل يوم جمعة مع العائلة الكبيرة والتي تشمل الإخوة وأبناء العم، وكانوا يعسكرون أحيانًا في فترة الشتاء في منطقة الحاير المقاربة لعذبة، حيث ينصبون الخيام ويقضون أوقاتًا جميلة وممتعة في أحضان الطبيعة الرائعة والآمنة. كان يحظى بقسط من الحرية كونه كان يستطيع اللعب مع أصدقائه وأقاربه لساعات وأوقات أطول من المسموح به عادة، لكن دون مساس بقدسية الوقت المخصص للعائلة التي يتشارك معها الأفراح والأتراح ولا يتأخر في تلبية دعوات العزائم بجميع أنواعها.
حصن الأمان: الأم والأب
كان لوالدته الكريمة أسماء بنت علي آل الشيخ الكواري – حفظها الله – دور فعال وحيوي في تربية أبنائها، فكانت موجهةً ومرشدةً ونبراسًا يضيء نوره طريقه فنقلت القيم والتقاليد الثقافية، وتوجيه القيم الدينية له. قدمت دعمًا قويًا لتعزيز مسار تعليمه وتحفيزه لتحقيق التفوق الأكاديمي، وأسهمت بشكل فعال في تطوير شخصيته ونمو أخلاقه، وقادت جهودًا فعالة لتعزيز روح الانتماء إلى العائلة، فدفعت بابنها نحو تحمل المسؤولية الاجتماعية بكل فخر واعتزاز. لم تقتصر مساهماتها على الجانب العاطفي فحسب، بل قدمت الدعم النفسي اللازم لبناء شعور الأمان والثقة في ذاته، حرصت على جمع جميع أفراد العائلة وتعزيز قيمة الوحدة والتضامن في مجلسها العامر، الذي ما زال قائمًا حتى الآن بحضور الجميع، من الأولاد حتى الأحفاد.
أما الأب جاسم بن محمد بن يوسف الكواري – رحمه الله – فكان له أثر كبير على شخصية ابنه فكان القدوة بالنسبة له في المثابرة والتمسك بالعادات والتقاليد والالتزام بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف إذ حرص على غرس القيم العائلية والدينية وصلة الرحم في أبنائه وأسهم توجيهه لابنه في تطوير ضميره وسلوكه الأخلاقي وتعزيز الارتباط بالقيم والمعتقدات الدينية وتعزيز قدرته على بناء علاقات اجتماعية قوية ومستدامة عبر تعزيز قيم صلة الرحم ورعاية العائلة وتحقيق التوازن بين الحياة الدينية والاجتماعية والشخصية.
ونظرًا لكون أكبر الأولاد في العائلة فقد حرص والده على تعويده على المسؤولية وتعليمه الاعتماد على الذات فأشركه في نشاطه التجاري وعلى الرغم من أنه لم يكن شغوفًا بالتجارة، فقد كان والده يأخذ بيده كل مساء بعد انتهاء الدوام المدرسي ذاهبًا إلى مكتب «الوره» وهو المكتب الوطني للنقليات الذي أسس مع بداية إنشاء البنية التحتية لدولة قطر وكان في تلك الحقبة في عز أمجاده إذ كان الناس يشترون شاحنات نقل مواد البناء الكبيرة «تراكس» لنقل الرمل والإسمنت من مسيعيد إلى الدوحة، وهو ما جعل حياته قائمة على الدراسة ومرافقة والده للعمل وحضور المناسبات العائلية. وكان وراء صرامة وصلابة والده اهتمامٌ كبير بتربية أولاده على العادات الطيبة والحرص الشديد عليهم فلم يسمح لهم بالخروج في ساعات متأخرة أو دون إذن مسبق، وكان يفرض عليهم الاجتماع في المجلس الساعة السادسة مساءً للقاء الضيوف والحفاوة بهم، والاستماع إلى أحاديثهم حول التجارة والأعمال وأحوال البلد كما كان يحرص على أداء أبنائه لفروض الصلوات في أوقاتها وكان أداء فرض الصلاة له خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه أو التهاون فيه.
رحلة المعرفة
بدأ رحلة التعليم في مدرسة طارق بن زياد ومن ثم في مدرسة مدينة خليفة الابتدائية ليتابع بعدها المرحلة الإعدادية في مدرسة اليرموك ومدرسة حمزة بن عبد المطلب وينهي دراسته في ثانوية خليفة ومن بعدها في ثانوية ابن تميمة. مرت تلك المرحلة ضمن التربية المنزلية المثالية والواجبات المدرسية التي كان يتخللها القليل من النشاط الجسدي الذي يتراوح ما بين نشاطات الرياضة البدنية في المدرسة وبين أزقة الحي مع الأصدقاء والأقارب، فلم يكن في مقدرته المشاركة في كثير من تلك الأنشطة بسبب نحفه الشديد ووزنه القليل مما كان عائقًا كبيرًا لممارسة النشاط البدني وخاصة العنيف.
وبعد الحصول على شهادة الثانوية العامة قرر الشاب الطموح الالتحاق بالجيش ليكون الأول بين أفراد عائلته الذين يتخذون هذه الخطوة فلم يكن من الأقارب أحد في الجيش سوى ابن عم والده الذي كان يشغل منصب مدير المرور في وزارة الداخلية ورئيس التوجيه المعنوي في القوات المسلحة القطرية وكان معروفًا باسم أحمد الضابط لعدم وجود ضباط كثر في تلك الحقبة.
في بداية التحاقه بالجيش واجه كثيرًا من الصعوبات والتحديات بسبب وزنه الذي لم يتجاوز 62 كيلوغرامًا وطوله 190 سنتيمترًا وهو ما جعل جسمه يبدو هزيلًا فلم يقو على أداء التمارين الرياضية الصعبة داخل الكلية في أوقات كثيرة، وهو ما علمه الصبر والتحمل وقد وجد دعمًا كبيرًا من مدرب ألعاب القوى آنذاك المدرب الألماني كروخ الذي كان من أبطال ألعاب القوى في ألمانيا، إضافة لزملائه الذين كانوا يشجعونه على المثابرة والاجتهاد، وقد تلاشت تلك الصعوبات والتحديات التي واجهها فور ارتدائه الزي الأبيض الرسمي للقوات البحرية والذي غمره بالفخر والسعادة عندما نظر لنفسه في المرآة ورأى كيف كان اللون الأبيض كهالة سحرية تحيط بجسده الأسمر الذي بدأ يحصد نتيجة التدريب الرياضي القاسي وحصد أول نتائجه في زيادة وزنه 16 كيلوغرامًا في أول ثلاثة أشهر و30 كيلوغرامًا بعد سنتين والذي كان نتيجة مساعدة ورعاية المدرب كروخ له. وهكذا كانت تلك المرحلة من أهم المراحل التكوينية في حياته وأسهمت بشكل كبير في صقل ملامح شخصيته.
الكلية البحرية: العشق الأبدي
بدأ رحلة الإبحار في عالم الكلية البحرية في نوفمبر/تشرين الثاني 1987 م كطالب متشوق إلى التغلغل في أعماق ذلك العالم الذي كان يشده من نعومة أظفاره. نال المراد بارتداء الزي الأبيض الفاتن وحقق الحلم الذي كان يراوده منذ سنين ومن ثم انتسب لأول كلية عسكرية تعقد في الدوحة في سنة 1990 كضابط في القوات البحرية كملازم ثاني، وهكذا بدأت مسيرته كضابط رادار في بطارية الصواريخ الساحلية، إذ قاده تفوقه وإخلاصه المهني من نجاح إلى آخر إلى أن تبوأ منصب قائد بطارية الصواريخ بالقوات المسلحة القطرية، ومن ثم انتسب للكلية العسكرية وتخرج فيها سنة 1990 م كضابط في القوات البحرية كملازم ثانٍ، وشارك في العديد من الدورات العسكرية، وسافر إلى جمهورية مصر العربية مرتين لدراسة نظام الدفاع الساحلي، وشارك في كثير من التدريبات العسكرية مع القوات الصديقة كالولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الفرنسية وغيرها، مكتسبًا بهذا الشكل كثيرًا من المعرفة والخبرة لتعطي قيمة إضافية لسيرته الذاتية التي ما كادت تبدأ مكللة بالنجاح والتفوق، وفي الوقت نفسه تابع سعادته التركيز على إتقان اللغة الإنجليزية قناعة منه بأهمية التكلم بلغة أخرى حرصًا على التحاور مع الطرف الآخر بلغته بغية إيصال الفكرة دون أي تشويش.
ألمانيا: بوابة التميز ومغامرة التحدي
كان لألمانيا دور حاسم في مسيرته وتحول تاريخي ومرحلة حاسمة في مواجهته لتحديات مع المجتمع الألماني. كانت هذه التجربة بمنزلة بداية العلاقة التفاعلية بين الثقافة القطرية العربية والشرقية مع المجتمع الألماني الأوروبي المتنوع، فتجلى تحدي تواصل الثقافات والتفاعل بين العالمين العربي والألماني. تحول هذا التحدي إلى فرصة لفتح قنوات الحوار الثقافي والفهم المتبادل، ما أضفى على مسيرته بعدًا دوليًا وإنسانيًا. بفضل هذه التجربة، أصبحت ألمانيا نقطة مهمة في رحلة الشاب الطموح وكانت نقطة هذا التحول في يوليو/تموز 2003 م عندما تلقى اتصالًا مفاجئًا من العمليات، إذ طلبوا منه الانضمام إلى دورة جديدة في ألمانيا، التي كانت الأولى من نوعها في هذا البلد، بالإضافة إلى أنها كانت تعقد باللغة الألمانية. استغرب ترشيحه لهذه الدورة كونه كان قد رشح نفسه سابقًا لدورة أخرى. كان لديه قلق كبير من هذه الدورة الفريدة من نوعها لأنه لم تكن هناك أي سابقة لإرسال أي ضابط قطري للمشاركة في دورات عسكرية وباللغة الألمانية في جمهورية ألمانيا الاتحادية آنذاك، كما أنه كان يدرك أن الفشل فيها قد يؤدي إلى خضوعه للمحاكمة العسكرية. ومع ذلك، قرر التحدي وسافر إلى ألمانيا ليبدأ هذه الرحلة، ابتداءً من دراسة اللغة الألمانية في معهد اللغات العسكري الألماني. بالفعل بدأت التحديات منذ اليوم الأول حيث أجرى مقابلة باللغة الألمانية لتحديد مستواه، وفي ذلك الوقت لم يكن يفقه كلمة واحدة في تلك اللغة، ومن ثم صنف في المستوى الأول، ورغم صعوبة اللغة، بدأ في التعلم والتقدم مع مرور الوقت، وتلاشت كل مخاوفه أمام عنفوان الشباب وحب المغامرة.
كان الفضول يشغل عقله بشكل كبير حتى وصلت درجة التساؤل حول سبب اختياره بشكل خاص لهذه الدورة خلال محادثته ضابط الدورات آنذاك حضرة العقيد جمعة سعيد الكبيسي، كانت إحدى تلك اللحظات التي لا تنسى عندما أجابه العقيد الكبيسي بأنه سمع عن شهرته بالتحدي وحب المغامرة، وأشار إلى رحلته التي قام بها إلى الجمهورية الفنزويلية، حيث تسلق شلالات آنجل، التي تعد أعلى شلالات في العالم، واستكشاف غابات الأمازون التي يهابها الجميع حتى سكانها الأصليون.
وبالفعل كانت تلك المرحلة هي التحدي بسبب ثقل وتركيز الواجبات الدراسية حيث كان الدوام الدراسي يبدأ من الساعة الثامنة صباحًا لينتهي الساعة التاسعة مساءً، لم يكن هناك أي مجال أمامه سوى التحدث باللغة الألمانية وإتمام التدريبات والواجبات لدرجة رؤية الأحلام باللغة الألمانية.
وكان التحاقه بفريق المعهد لكرة الطائرة فرصة كبيرة لتطوير شخصيته وإتقانه اللغة الألمانية بجدارة، وتمكن بهذا الشكل من إقامة المباريات الأسبوعية مع فرق الولايات الأخرى مما ساعده على الانخراط في المجتمع الألماني بسبب شخصيته الاجتماعية المرنة والرصينة التي فتحت له أبواب الصداقات مع نخبة المجتمع الألماني. استمرت دورة اللغة الألمانية لمدة موسم دراسي كامل (9) أشهر التحق بعدها بكلية القيادة والأركان في مدينة هامبورغ لسنة أخرى ليتمكن بهذا الشكل من توطيد أواصر الصداقة مع الكثير من المواطنين والشخصيات الألمانية وكانت نهاية تلك الفترة المميزة بتاريخ 24/06/2005.
العودة منتصرًا إلى الوطن الأم
كانت عودته في الشهر السابع من سنة 2005 م إلى أحضان الوطن الأم مدى سرور وسعادة بلا نهاية فقد كانت الفرحة فرحتين، فرحة العودة وفرحة الاحتفال بالنصر الذي يشهد عليه ميدالية ذهبية ووسام الشرف ليكون أول مواطن قطري يحصل على شهادة أركان الحرب من كلية القيادة والأركان (وزارة الدفاع الألمانية)، وفور وصوله إلى الدوحة تلقى مكالمة من وزارة الدفاع لترتيب لقاء مع رئيس أركان القوات المسلحة سعادة اللواء حمد بن علي العطية آنذاك، وكان متخوفًا بشكل كبير لأنه كان يجهل سبب المقابلة حتى إنه لم يطرف له جفن طوال تلك الليلة، ليتفاجأ في اليوم التالي بحمد العطية يهنئه على إنجازه ويعبر عن فخره بما حققه كونه أول ضابط قطري يتخرج في معهد عسكري ألماني باللغة الألمانية، ووعده حينها بتعيينه ملحقًا عسكريًا في أول ملحقية عسكرية يتم افتتاحها في برلين. بعد عودته من ألمانيا، زادت ثقته بنفسه كثيرًا، واكتشف موهبة لم يشعر بها من قبل. هذه الموهبة كانت في قدرته اللافتة على استيعاب لغات جديدة بسرعة فائقة، بالإضافة إلى الطاقة الهائلة التي كانت تشكل جزءًا لا يتجزأ من شخصيته استجابة لهذه القدرات الفريدة، قرر الاستفادة القصوى من هذه الطاقة والموهبة فتقدم خطوة أخرى نحو تطوير نفسه عن طريق الالتحاق بمعهد اللغات في مؤسسة قطر، حيث انغمس في دروس اللغة الإسبانية وأكمل أربع مستويات في غضون ستة أشهر فقط.
عقب هذه التحصيلات، سارع إلى مدريد بناءً على نصيحة صديق عراقي، حيث انخرط بحماس في دورة لغوية مكثفة لمدة ثلاثة أسابيع في معهد «إيلي Elle». أثمرت هذه الحقبة القصيرة بناء أسس راسخة في فهمه وتحدثه باللغة الإسبانية. لم يكتف بذلك، إذ انطلق فور عودته إلى الدوحة في رحلة جديدة لاكتساب لغة جديدة، حيث بدأ بفارغ الصبر رحلته في تعلم اللغة الفرنسية، وكانت هذه اللغة خيارًا استراتيجيًا، حيث أصبحت فرصة مثالية للمشاركة في التبادل اللغوي والتمارين مع القوات الفرنسية الصديقة. كانت هذه الخطوة الجديدة تعكس إصراره على التنوع اللغوي وتوسيع آفاقه الشخصية والمهنية، خصوصًا أنه يدرك تأثير اللغات في تعزيز التواصل الثقافي والفهم العميق للعالم الذي يحيا فيه.
الإبحار في عالم الرياضة
في رحلة مهنية ملهمة، اشتبكت حياته بالرياضة برمتها، حيث أكسبته إنجازات فارهة ونشاطًا لا ينضب. انطلق في هذه الرحلة بمنصب أمين مساعد لاتحاد الاسكواش، حيث ظل يشغل هذا المنصب مدة ثماني سنوات، ثم قرر الانضمام إلى نادي الجيش فور تأسيسه، فيما كان في الوقت ذاته مسؤولًا عن جناح المضارب العسكري. ومن ثم خطف الأضواء بتوليه منصب أمين عام اتحاد الألعاب القوى، في خطوة ذهبية تحت رئاسة سعادة اللواء دحلان الحمد رئيس اتحاد العاب القوى بداية من 10/10/2012 م إلى 15/12/2016 م. كانت هذه التحديات الرياضية جزءًا من حياته اليومية المكثفة، حيث كان يستيقظ في الساعات الأولى من الصباح، عند الرابعة وخمسة وأربعين دقيقة، لممارسة الرياضة قبل التوجه إلى مكتبه. يشرف على رئاسة شعبة التسليح في مديرية التسليح بالهيئة العامة للإمداد والتجهيز بالقوات المسلحة القطرية. وبعد هذا الجهد المكثف في المجال المهني، يعود إلى منزله للراحة قليلًا، ثم يتجه قاصدًا الاتحاد لقضاء بقية يومه.
وقد تواصل العمل في هذا المجال لمدة خمس سنوات، ثم عاد إلى القوات البحرية ليتسلم منصب قائد الدفاع الساحلي.
القوات البحرية: العشق الأبدي
على مدى أكثر من ثلاثين عامًا من الخدمة بإخلاص في القوات البحرية، لم تكن رحلته مجرد عمل روتيني، بل كانت تجربة تمتزج بالحماس والتفرد. في هذا الفضاء الذي يمتد بين أفق البحر الأزرق زي البحرية الأبيض، لم تكن الخدمة هناك مجرد وظيفة، ولكن مصدرًا للسرور الكبير. حتى اليوم، يتذوق لحظات الحنين إلى أيام البحرية ورحلاتها المثيرة، إذ إنه يرى أن القوات البحرية عائلة اختارها ووجد فيها الثقة والتحفيز.
خلال مسيرته، كانت لديه فرص فريدة للتفاعل مع وحدات عسكرية من مختلف الدول، بما في ذلك القوات الفرنسية والأمريكية، وبعض القوات الصديقة مثل دول مجلس التعاون وباكستان والهند. كان يسعى بشغف كبير لتطوير ذاته، فشارك في الدورات التي تسعى إلى نحت وتطوير الشخصية، مثل دورات الضفادع البشرية ودورات فن القيادة والخطابة.
مآثره الدبلوماسية: نجاحات فاقت التوقعات
سنة 2018 م تلقى عرضًا من وزارة الخارجية للعمل كسفير في الجمهورية الفنزويلية ثم تم تغيير العرض للعمل كسفير في الولايات المتحدة الأمريكية وانتهى المطاف بقرار اعتماده كسفير فوق العادة ومفوض في الولايات المتحدة المكسيكية. في البداية تردد قليلًا نظرًا لكونه مجالًا جديدًا بالإضافة إلى الخوف من مفارقة والدته المسنة – حفظها الله – مدة طويلة من الزمن وبسبب تجاربه القاسية عند سفره حيث كان يفجع بوفاة عزيز، ولكن رأي والدته المشجع والصائب كعادتها أدى لموافقته على تلك المهمة الجديدة كما شجعه على الإبحار في هذا العالم الجديد وقرر الانطلاق في هذه المغامرة الشيقة التي لم تخطر على باله قط، تاركًا خلفه عنصرية المناهضين لفكرة تعيين سفير من القوات البحرية.
وبدأ سعادة مهامه كسفير فوق العادة ومفوض في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2018 م وبعد أقل من شهرين من وصوله للمكسيك أقام احتفال اليوم الوطني القطري في المكسيك بفندق الفورسيزون بصحبة زوجته وأبنائه وفي هذه اللحظة تمكن سعادته من استيعاب أهمية إتقانه للغة الإسبانية عندما ألقى كلمة الاحتفال بتلك اللغة مرتديًا الزي التقليدي القطري حيث تفاعل الحضور معه بطريقة رائعة. وهكذا بدأ سعادة السفير بفك رموز الثقافة والمجتمع المكسيكي ليتمكن بعد ذلك من جذب انتباه الحكومة والمواطنين المكسيكيين ويصبح من المؤثرين في المجتمع المكسيكي بواسطة الدبلوماسية الرياضية ومشاركته الفعالة في النشاطات الأكاديمية والثقافية، التي بدأت من اللحظة الأولى عندما وصل الأراضي المكسيكية. كان انتظار المكسيكيون لنشاطات سفارة دولة قطر في المكسيك بمناسبة يوم احتفال مكسيكي مفعم بالتجارب الجديدة والتعرف إلى عالم الشرق الساحر.
ووصل اهتمام سعادته بمد جسر الدبلوماسية بين قطر والمكسيك إلى أبعد حدود الدبلوماسية حيث أظهر اهتمامًا وتقديرًا كبيرين للثقافة المكسيكية من خلال مشاركتهم أعيادهم واحتفالاتهم وتلبية دعوات حكام الولايات القريبة والبعيدة مرتديًا الزي القطري مرة والمكسيكي مرة أخرى، مبديًا للشعب المكسيكي مدى فخره كقطري بالتعرف على عاداتهم وتقاليدهم، وأصبحت الخيمة العربية «خيمة بيت شعر» المكان المفضل للمكسيكيين لالتقاط الصور بجانب سعادة السفير والتفاخر بها في الأوساط الاجتماعية، التي كانت إحدى استراتيجيات سعادته للتفاعل عن قرب مع أفراد المجتمع والتقرب منهم لإيصال مفهوم الثقافة القطرية، عبر فيديوهاته التي كان يوجه عبرها رسائل ذات فحوى إيجابي لتغيير صورة الإعلام الغربي السلبية عن الرجل القطري المسلم، والتي استطاع إعطاء الصورة الحقيقية عن الأخلاق العربية والكرم المتأصل في الشعب القطري، وأسهم سعادته في تنظيم مباريات ضخمة لكرة القدم على مدار خمس سنوات كان يعمل أثناءها على تجسيد دولة قطر في كل ركن من أركان دولة المكسيك، حيث كان مواطنوها يجهلون كل شيء عن دولة قطر وحتى موقعها في الخريطة، كما كانت لديهم صورة سلبية مسبقة غرسها الإعلام الغربي مغايرة لكل الحقيقية. وهكذا أصبح سعادة محط أنظار المحبين والكارهين ومثار الحديث في المجتمع المكسيكي لتواضعه وقوة شخصيته في الوقت نفسه وبسهولة التواصل معه دون الحاجة إلى مترجم للغة الإسبانية، مما ساعد على بناء جسر ثقافي فريد من نوعه فكان سفيرًا حينًا ومحاضرًا أكاديميًا حينًا آخر، ومحاورًا سياسيًا مرة أو مشاركًا اجتماعيًا مرة أخرى.
عقبات المسير ة الدبلوماسية
لا شك أنه دفع ضريبة التميز والنجاح كحال جميع القطريين لذلك لم يكن لديه حاجة للتبرير أو الدفاع عن نفسه، فهو لم ولا يتصرف كفرد مستقل، إنما يتصرف باسم جميع القطريين ولديه إدراك ويقين بأهمية ومسؤولية عمله لذلك هو لا يتأخر أبدًا عن رفع اسم بلاده.
سعادة السفير والعائلة
لم يكن ليحقق كل تلك الإنجازات والنجاحات لولا الاستقرار الأسري الذي حظي به والدعم الذي لقيه من شريكة حياته موزة الكواري، وهي خريجة كلية الفنون التشكيلية وبكالوريوس التربية الفنية ودبلوم الفنون الإسلامية والخط العربي، وتمكنت من رسم أجمل سطور التفاني والإخلاص في حياته، الذي لولا وجودها في حياته وتشجيعها له، لم يكن بإمكانه التمتع بعائلة نموذجية وتربية مثالية لأولاده، نتيجة انشغاله بكتابة خطوط عريضة في تاريخ دولة قطر المعاصر.