

أحمد البحراني
فنان ونحات عراقي وجد في قطر وطنًا للإبداع، وحول الحديد والبرونز إلى أعمال ارتبطت بالرياضة والفضاء العام.
النسخة الرجالية · 2024 · الصفحات 258–265
أحمد عباس البحراني، فنان ونحات عراقي مقيم في قطر منذ عام 1999، وخريج معهد الفنون الجميلة في بغداد. يعد من رواد فن النحت في قطر، ومن أبرز أعماله الحلقات الأولمبية وكأس الخليج العربي لكرة القدم.
مرحلة الطفولة
وقد تأثر بمسقط رأسه وهي منطقة تتميز بجمعها بين الزراعة والصناعة، أثر نهر الفرات في شخصيته ليكون إنسانًا عاشقًا للجمال والطبيعة مثله مثل بقية أهالي المنطقة العاشقين للفنون بمختلف أنواعها، حيث كان والده عاشقًا للموسيقى العراقية القديمة، وتربطه علاقات طيبة مع مطربين عراقيين شعبيين، وهو ما جعله ينشأ على حب الموسيقى لا سيما العراقية الجنوبية، وتشكلت لديه ذائقة فنية رفيعة، كانت والدته تغني له ولإخوته الترانيم والأغاني الجميلة والأهازيج الشعبية للأطفال التي تغنيها الأمهات العراقيات، وظل صوت والدته العذب يرافقه على مدى سنوات طفولته وشبابه، هذه الأجواء التي جمعت بين الزراعة والنخيل والطيور والنهر جعلته يتعلق بمدينته ويعشق تفاصيلها التي رسمت في مخيلته وفي شخصيته أيضًا.
إقامة أول معرض
يرى أن أول معرض فني له كان في عمر الست سنوات على ضفاف نهر الفرات، حيث كان يمارس لعبته اليومية على نهر الفرات وهي تشكيل مجموعة من الأشكال والرسومات بالطين لرسم معالم المكان والشخصيات التي تحيط به، وكان يوسخ ملابسه وفي إحدى المرات عاد والده من العمل في وقت مبكر، وكان يتوقع أنه سيتعرض للعقاب والضرب لكن والده تفاجأ بجمال الأشكال، ومن هنا كانت انطلاقته في مجال الفن بدعم وتشجيع من والده، وفي اليوم الموالي عاد للنهر لتفقد أعماله الفنية فوجد أن المد قد محاها، وهذا الموقف أسس بداخله بذرة الفنان، وهو مقتنع أن أول معجب بأعماله نهر الفرات الذي اقتنى أعماله واحتضنها.
مجال العمل وأهم الإنجازات
دخل معهد الفنون الجميلة ببغداد ودرس الفن لمدة ست سنوات، بعدها دخل العسكرية وشارك في الحرب التي أثرت بشكلٍ كبير في حياته ونفسيته، حيث قتلت أشياء كثيرة بداخله، وغادر العراق منتصف سنة 1994 م، لكن فترة دراسته في بغداد أثرت بشكلٍ كبير في مسار حياته ولا تزال، حيث إنه سحر بجمال بغداد التي تعد زيارتها حلمًا لأي شاب عراقي ولها وقع وأثر لدى كل شخص قادته الصدف لشوارعها ومبانيها. تتلمذ على أيدي نخبة من أهم أستاذة الفن التشكيلي، وأسسوا بداخله مشروع فنان حقيقي فاكتسب أدوات الفن في بغداد التي يدين لها بالفضل الكبير في مسيرته الفنية.
محطات وتجارب
المحطة الأولى خارج العراق كانت عمان قضى فيها تسعة أشهر كانت صعبة وبعدها انتقل إلى اليمن واستقر فيه أربع سنوات ونصف السنة، ورغم الظروف الصعبة التي عاشها خلال هذه السنوات إلا أنه وقع في عشقها ولا يزال بسبب الحياة الاجتماعية الحافلة، وهو مدين لها بالفضل الكبير لأنها علمته الكثير بفضل تنوعها على مستوى الطبيعة والعمران والبهجة واللباس والعادات، ثم انتقل إلى قطر سنة 1999 م واستقر بها، هذا الانتقال مثل نقطة تحول كبرى في حياته ويعود الفضل إلى انتقاله للدوحة إلى سعادة السفير عبد الله فضل الخاطر سفير دولة قطر في اليمن سابقًا الذي جمعته به الصدفة خلال احتفال السفارة القطرية باليمن باليوم الوطني للدولة فقدم له لوحة فنية للسفارة كانت عبارة عن أيدٍ متماسكة، وجمعته إثرها علاقة إنسانية طيبة بالسفير وبعدها اقترح عليه الانتقال للعيش في قطر، لكنه كان رده أنه لا يعلم شيئًا عن قطر سوى بعض شخصياتها الفنية والرياضية، فدعاه السفير لزيارة الدوحة وتجربة حظه على أرضها، وبالفعل ترك عائلته في اليمن وسافر إلى قطر.
الرحلة إلى قطر
في الستة أشهر الأولى لقدومه إلى قطر أحس بعدم الاستقرار والملل، فالتحق بمركز شباب الدوحة الذي يضم ثلة من أهم الفنانين في قطر، ومن هنا بدأ تعلقه بالدوحة، في تلك الفترة كانت المنحوتات نادرة جدًا وسرعان ما انسجم مع الشباب في المركز، وعرضوا عليه تقديم دورة في النحت على الجبس والخشب، ومن هنا بدأت مسيرته في قطر، وتعرف على حسن الملا رئيس جمعية الفنون التشكيلية في حديقة البدع، ومن خلال الجمعية تعرف على أهم الفنانين التشكيليين في قطر من الجيل الأول، وكون علاقات صداقة مع كثيرين منهم لا سيما أن بعضهم كان خريج جامعة بغداد، وكانوا يعتبرون بغداد مدرستهم الفنية، وتعرف على الفنان سلمان المالك، والفنان علي حسن، وتوطدت علاقته بيوسف أحمد الذي كان يعرفه من أيام الدراسة في بغداد. هذه العلاقات والأجواء الفنية شجعته على الاستقرار في قطر بعد أن كان ينوي الرحيل لأنه لم يشعر بالانتماء في البداية نظرًا لغياب ثقافة النحت التي اقتصرت على بعض التجارب البسيطة، ومما شجعه أيضًا على الاستقرار في الدوحة الهدوء والاستقرار في البلد وجمال الثقافة القطرية والشعب القطري المحب للشعب العراقي.
أول معرض نحت
تمكن من التغلغل في المجتمع القطري، وسرعان ما صار جزءًا من المنظومة الثقافية القطرية، وأقام أول معرض نحت له في حياته في قطر سنة 2000 م، وكان أول معرض نحت تخصصي بالكامل في تاريخ قطر، حيث لم يكن هناك سوى مشاركات فردية ببعض القطع، وبعدها استمرت المشاركات وأسهم بشكلٍ كبير في نشر ثقافة النحت. أتاحت له حياته في قطر لمدة 23 سنة الفرصة لتأسيس مكان خاص به تتوفر به جميع أدوات إنتاج الفنان حيث لقي دعمًا معنويًا كبيرًا.
جني ثمار الاجتهاد واعتراف بالموهبة
انتبهت الدولة لدوره الكبير في هذا المجال وتبنت عدة مشاريع مهمة، على رأسها الحلقات الأولمبية سنة 2004 م الذي كان أكبر عمل نحت في دول الخليج وفي العالم العربي ككل بتكليف من سمو الشيخ جاسم بن حمد آل ثاني، وبعد ذلك كلف بأهم عمل في مسيرته الفنية وهو كأس الخليج العربي الذي مثل بالنسبة له منعطفًا مهمًا في مسيرته الفنية، فرغم حجمه الصغير إلا أنه أسس لمكانة مهمة له في الوسط الرياضي والاجتماعي والأوساط الثقافية.
المواقف الفاصلة
أهم القرارات واللحظات الفاصلة في حياته ومسيرته الفنية كان انتقاله للعيش في دولة قطر، وتلا هذا المنعطف مجموعة من اللحظات والأحداث المهمة من بينها لقاؤه بمهندس معماري اسمه حازم أبو نبعة أقنعه بالاستقرار في قطر نظرًا لتوفر فرص عمل، بالإضافة إلى لقائه الأول بسمو الشيخ جاسم بن حمد آل ثاني. بعد ذلك التقى بالعديد من الشخصيات المهمة جدًا في قطر من بينهم عمر الفردان، وسعادة الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني، وسعادة الشيخة المياسة بنت حمد بن خليفة آل ثاني، وعلي بن علي، ونبيل بن علي، وصاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر حيث تعاون معها في مشروع في غاية الأهمية في مؤسسة قطر بكلية حمد للفنون.
وقد ساعده كل الأشخاص الذين قابلهم ومدوا أيديهم إليه وآمنوا بموهبته وأسهموا في نجاحه حتى بمجرد الابتسامة أو الكلمة الطيبة.
الرضا والفخر
هو فخور ومقتنع بما يصنع، وراضٍ تمام الرضا على ما حققه من إنجازات، غايته الأولى إرضاء الله -سبحانه وتعالى- ونفسه ولا يهتم بكلام الناس وما يخفونه ما دام يوقن أنه يسير في الطريق الصحيح، ولا يهتم بالانتقادات السلبية ومحاولات الإحباط، بل هو متفائل ودائمًا ما ينظر إلى الجانب الإيجابي في كل موقف، وهو مؤمن بعمله وبإنجازاته ويقدم أفضل ما لديه ويعمل بإتقان.
التحديات والمطبات
في بداية مسيرته وبسبب اضطراره لمغادرة موطنه الأم واجه العديد من الصعوبات والتحديات التي كادت تغتال إبداعه وعطاءه في مجال الفن، لكن إصراره والدعم الذي لقيه من رفيقة دربه شجعاه على الاستمرار، حيث إن زوجته صبرت وتحدت جميع الظروف وهو يعتبرها جزءًا كبيرًا من مشروع نجاحه، إضافة إلى دعم والده له في جميع محطات حياته.
وأصعب الاختبارات والامتحانات التي مر بها في حياته هي الهجرة ومغادرة قريته التي يعشقها ووطنه الذي يهواه، حيث إنه هاجر قسرًا ولم يكن يخطط للسفر ومغادرة العراق، ولكن رب ضارةٍ نافعة، رغم أنه سافر مضطرًا إلا أنه لقي في بلدان المهجر أيادٍ بيضاء مدت له وساعدته على تسلق سلم النجاح، ووجد أراضي احتضنته وهو ما ساعده على تجاوز صعوبة الابتعاد عن موطنه.
وجع الغربة
بالنسبة له هو مزيج من الفخر والوجع والحنين حيث يعتبر أن الغربة جعلته ينضج ويكبر بسرعة، ولم يشعر بالسنوات التي مرت مسرعة حيث إنه لم يستمتع بشبابه، كذلك زوجته التي تحملت معه الظروف الصعبة لا سيما بسبب صعوبة العودة إلى العراق في فترة التسعينيات، هذا بالإضافة إلى المطبات العديدة في حياته اليومية ومسيرته الفنية، لكن كل هذه التحديات تجعله يزداد استمتاعًا بلذة الإنجاز ونشوة بالنجاح.
ومن بين الأشياء التي ساعدته على تجاوز جميع العراقيل قدرته على تحويل الألم إلى أمل، حيث إنه يعتبر كل هفوة تجربة جديدة وفرصة لاكتساب خبرات إضافية، وهو دائمًا ينظر للنصف الممتلئ من الكأس ويختار الطريق الصعب للحصول على مردود أفضل حتى وإن تطلب جني الثمار وقتًا أطول.
كذلك طبيعة عمله الصعب في التعامل مع مواد حادة مثل البرونز والحديد انعكست على شخصيته التي تتمتع بالصلابة، ولكن في الوقت ذاته عكس شخصيته على كل مادة لمستها أنامله.
الفنان الإنسان
رغم القوة والصلابة التي تبدو على شخصيته والثقة الكبيرة التي تبدو عليه إلا أنه إنسان حساس وضعيف جدًا أمام المواقف الإنسانية، فهو يعيش الألم مع كل موقف إنساني ويحمل هموم وطنه وعروبته، هذا الحس العالي والإحساس المرهف انعكس في فنه، لذلك تربطه علاقات إنسانية مع عدد كبير جدًا من الأشخاص من مختلف الجنسيات والأعمار وهو يحظى بحب وتقدير الجميع.
وفاء وعودة للوطن
بعد سنوات من الغربة والاغتراب أوجد لنفسه موطئ قدم في العراق، وأسس أرضية مناسبة لوجوده بشكلٍ أكبر في وطنه بعد أن شعر بمدى تأثيره في الشارع وبحاجة بلده لفنه ولشخصه.