

هدى النعيمي
مزجت العلم بالأدب، وحملت إلى الكتابة خبرة الباحثة ودقة العالمة ووفاء المثقفة لهويتها ووطنها.
النسخة النسائية الثانية · 2024 · الصفحات 346–353
هدى محمد النعيمي، مديرة تنفيذية في إدارة الصحة المهنية والسلامة بمؤسسة حمد الطبية، وحاصلة على دكتوراه في الفيزياء الطبية وكاتبة في الأدب والصحافة.
الكتب والعلوم في بيت واحد
ولدت وسط بيت متواضع في مدينة الريان وعائلة محافظة كبيرة العدد هي الثالثة في ترتيب الأبناء وتكبرها أختان ويصغرها أخوان وثلاث أخوات.
عاشت طفولة هادئة سلسة بعيدة عن المشاكسات والشجارات الطفولية، وحتى الألعاب الطفولية الجماعية، حيث كانت طفلة فضولية خجولة تميل للعزلة، لها فلسلفتها وطقوسها الخاصة، مؤمنة باحترام الكبير واحترام القوانين في البيت والشارع والمدرسة، ملتزمة ورصينة فلم تكن الشقاوة إحدى صفاتها، ورغم شخصيتها الهادئة والمسالمة إلا أنها كانت تجيد الدفاع عن حقوقها وتتمسك بها ولا تفرط بها أو تتنازل عما هو لها، وترفض تجاوز حدودها رفضًا قاطعًا مهما كانت الظروف.
في الوقت الذي كان فيه أترابها يمارسون الألعاب الجماعية كانت تفضل تفكيك الألعاب الإلكترونية التي تعمل بالبطارية لاكتشاف ما بداخلها، وتحاول إعادتها إلى شكلها ووضعيتها الأولى أو الاحتفاظ بأجزائها الداخلية التي قد يكون لها مكان في تجميع لعبة أخرى.
تعلمت الرضا والقناعة منذ الطفولة، فكانت سعيدة بعائلة راضية بحياتها لم تتمرد ولم تسخط، بل أحبت كل من حولها من أعمام وأخوال، وتعلمت هي وإخوتها معنى أن تكون فردًا من المجموعة وهو ما شكل معالم شخصية معطاءة تقدس العائلة وتضع كل شيء في مقامه دون إعلاء أو تقزيم، فلكل شيء في هذه الحياة حدوده ومكانته والوقت المخصص له.
وجدت في والدتها القدوة والإلهام فهي المرأة المثابرة والمجتهدة المحبة للعلم حيث تعلمت أمها – رحمها الله – القراءة والكتابة في فصول محو الأمية، فصارت تقرأ جريدة الصباح كل يوم، ولم تترك حب المعرفة حتى قابلت ربها، وقد تعزز اهتمامها بالعلم من خلال دوامها على سماع الإذاعة طوال فترة الصباح، وإعدادها لطعام الغداء للعائلة، فكانت تستفيد من كل ما يقدم في الإذاعة وتتطور معارفها مع كل معلومة يدلي بها أهل الاختصاص في البرامج الإذاعية سواء كان طبيبًا أو صانع الحلوى وكذلك اختصاصي الصحة النفسية، واختصاصي تنسيق الزهور، لتنقل بعد ذلك ما اكتسبته من معارف جديدة لأبنائها بكل حب وشغف، فكانت مدرسة أخرى لا تتقاطع مع المدرسة الصباحية، وهو ما جعل أبناءها جميعًا من المتفوقين دراسيًا.
الفقد يدق الأبواب مبكرا
ذاقت طعم الفقد مبكرًا حيث فقدت أختيها الكبريين اللتين رحلتا عن الحياة في مرحلة الشباب والعطاء، تركتا في نفس خطوطًا عميقة تتعايش معها، هز ألم الفقد كيانها وكان أول صدمة في حياتها، لم تجرب فقد شخص عزيز من قبل، لكنها جربت فقد شيء جميل وملجأ آمن بعد أن فقدت شجرة السنط الظليلة والكبيرة التي كانت في فناء مدرستها الابتدائية، كانت ملجأ لها خلال الفسحة في وسط النهار، كانت بيتًا وسكنًا تحتمي تحته، لتبتعد عن ضجيج الأطفال وتكتفي بالمراقبة من خلال أغصانها الطويلة المتدلية على الأرض.
كانت تلك الشجرة مكانها المفضل في المدرسة خلال الفصول الدراسية الابتدائية الأولى، كانت الصدمة الأولى في الحياة يوم خرجت في فسحة منتصف النهار لتجد أحد المزارعين قطع شجرتها أو بيتها الظليل، وترك أغصانها حزينة ويتيمة، تركها تذبل تحت أشعة الشمس، فلم يعد لديها بيت صغير، ولا أغضان تخبئها، منذ ذلك اليوم عرفت أنها لا تتقن الاختباء وأنها تحت مجال رؤية الآخرين، وأن ما تفعله سيكون محل مدح أو ذم من حولها.
أسهم ذلك الموقف -البسيط في عيون الجميع، الكبير في عينيها- في تكوين شخصيتها الحالية، إذ تعلمت درسًا شديد القسوة ذلك اليوم، هو أن من نحبه أو ما نحبه ليس دائمًا لنا، وإنما قد يرحل يومًا، ويبقى علينا دور المواجهة من دونه.
الفيزياء تقود إلى البحث
من بين أكبر المواقف الفاصلة في حياة الطالبة التي واجهتها بل وواجهت جميع أبناء جيلها هو ضرورة وصعوبة الاختيار بين المسار العلمي والمسار الأدبي في المدرسة، فقد كان هذا الخيار الأصعب بالنسبة للأطفال الذين لم يحددوا بعد اهتماماتهم، ولم يتعرفوا بالشكل الكافي على خياراتهم، وكان هذا الخيار أصعب بالنسبة لها التي كانت تحب المواد الأدبية جدًا، إذ كانت محبة للشعر والأدب ومتميزة في بلاغة اللغة العربية، أحبت خطبة طارق بن زياد ومعلقة عنترة بن شداد، كما أحبت روايات نجيب محفوظ وأقاصيص يوسف إدريس التي تستعيرها من مكتبة متواضعة بالمدرسة، لكنها فتنت بمعرفة الجدول الدوري للعناصر الكيميائية التي درستها في مادة الكيمياء للمرة الأولى في الفصل الأول الثانوي، كما فتنت بتركيب الذرة التي لا ترى بالعين المجردة ولا تحت المجهر، تملكها الفضول للغوص أكثر في عالم الجسيمات الدقيقة التي تدور بداخل الذرة، الإلكترونات والبروتونات والنيوترونات التي أيضًا تعرفت عليها من خلال كتاب الفيزياء في الفصل الأول الثانوي، فشعرت بالضياع بين عشقها للبلاغة واللغة العربية، وبين شغفها وفضولها لسبر أغوار علوم العصر، لكن في النهاية رجحت كفة العلم واختارت أن تبحث لنفسها عن مكان في المستقبل. وبالفعل اختارت التخصص في مادة الفيزياء بجامعة قطر التي تخرجت منها بعد ذلك.
المختبر أول المراحل
بدأت مسيرتها المهنية في قسم الأشعة، وكان هذا الاختيار قرارًا مصيريًا آخر تتخذه، إذ لم يكن أمام بنات جيلها فرص عمل متعددة، إنما كان الباب الوحيد المفتوح هو العودة إلى مدرسة البنات كمدرسة أو معلمة، في حين أنها لم تشعر يومًا أنه المسار الذي يمكن أن يرضي طموحها.
الماجستير والدكتوراه
وجدت نفسها أمام القرار الأصعب والأكبر، وهو ترك الوطن الحبيب والذهاب اختياريًا إلى الدراسة في القاهرة، فقد اختارت السفر إلى القاهرة، وسلكت طريق الدراسات العليا، ومن خلالها حصلت على الماجستير في الفيزياء النووية، ومن ثم الدكتوراه في فيزياء الإشعاع الحيوي، لتصبح بعد ذلك أول فيزيائية طبية في قطر، وتؤسس قسم الفيزياء الطبية في مؤسسة حمد الطبية، الذي ينافس اليوم عالميًا في مستواه العلمي ومستويات الجودة والخدمات التي يقدمها للمؤسسة الطبية.
كان هذا الاختيار الحميد هو ما جعل منها استشارية في هذا المجال، ولم تكن الرحلة إلى القاهرة مجرد رحلة لكسب العلم وتحصيل الشهادات العليا، وإنما تجربة حياتية ثرية ومتنوعة، حيث وضعتها على المحك مع كل الثقافات العربية والأجنبية التي تصب معًا في القاهرة، هناك تعرفت إلى ثقافات عديدة وتشابكت معها ووجدت مكتبة أكبر وأوسع من مكتبة المدرسة أو الجامعة، فالقاهرة ليست مجرد مدينة، بل تعد متحفًا كبيرًا بكل ما تحتويه من تاريخ وعمق حضاري.
بين شغف العلم وشجون القلم
بالتزامن مع الدراسات العليا وتخصصها العلمي، أطلقت العنان لمخيلتها وموهبتها الأدبية فأصدرت -بينما كانت في القاهرة- مجموعتها القصصية الأولى، وهناك بدأت الكتابة للصحافة القطرية، لتعود بعدها إلى أرض الوطن متسلحة بشهادة الدكتوراه، لتخدم بها وطنها ومعها مجموعة ثرية من التجارب الإنسانية والحضارية، وأيضًا باسمٍ وقلمٍ صار له وزنه في عالم الصحافة المحلية.
العلم يلتقي بالأدب
حققت على مدار مسيرتها المهنية والعلمية والأدبية العديد من الإنجازات، فقد كلفت بالعديد من المهام على المستوى الوطني، فكانت لها مشاركات كثيرة في مجال التعليم وإلقاء العديد من المحاضرات بهذا الخصوص، ليس في مؤسسة حمد الطبية فقط، وإنما في المؤسسات التعليمية، ومنها على سبيل المثال جامعة قطر وكلية طب ويل كورنيل بقطر، وحصلت على العديد من العضويات، فهي عضو مؤسس للجمعية القطرية للغة العربية وعضو مجلس إدارة، وعضو في اللجنة التأسيسية بالجمعية القطرية للكتاب والأدباء، وكانت لها مشاركة مهمة في المنتدى الوطني للمرأة القطرية سنة 2013 م.
وفي المجال الأدبي أصدرت ثمانية كتب أدبية في القصة والمسرح والرواية، هي حسب الترتيب الزمني: المكحلة (مجموعة قصصية)، أنثى (مجموعة قصصية)، أباطيل (مجموعة قصصية)، أشياء تشبهنا (مجموعة قصصية)، عين ترى (مقالات في النقد الأدبي) النبع الذهبي (مسرحية للطفل)، قمط (قصة مجلة طفل)، حين يبوح النخيل (سيرة روائية)، وترجمت العديد من قصصها إلى لغات أخرى مثل الإنجليزية والهندية والفارسية والتركية والهولندية والفرنسية وغيرها، أيضًا واظبت على النشر في الصحف العربية والمحلية داخل وخارج العالم العربي منذ عام 2000 م وحتى اليوم، وهي حريصة على المشاركة في فعاليات معرض الكتاب بالدوحة على امتداد سنوات عدة، والمشاركة في البرامج التلفزيونية على القنوات المحلية كأديبة وكاتبة قطرية وأكاديمية وباحثة في علوم الأشعة بهدف التثقيف العام.
شغلت العديد من المناصب وحصلت على العديد من العضويات فهي عضو المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث في دولة قطر لمدة أربع سنوات 2000–2004 م، عضو لجنة القصة والرواية بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث 2002–2003 م، وعضو لجنة الدراسات والبحوث بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث 2005–2006 م، إضافة إلى كونها عضو مجلس إدارة نادي الجسرة الثقافي التابع لوزارة الثقافة والفنون والتراث 2003–2015 م، وشغلت منصب مديرة ملتقى الجسرة للفتيات منذ إنشائه حتى 2015 م، ومنصب رئيس القسم الثقافي بجريدة الراية القطرية 2008–2009 م، ومدير تحرير صحيفة الهدهد الدولية (أول صحيفة إلكترونية بخمس لغات عالمية) منذ 2004 م وحتى الآن.
أما في المجال الأكاديمي فهي تشغل حاليًا منصب مدير تنفيذي لإدارة الصحة والسلامة المهنية بمؤسسة حمد الطبية، إضافة إلى كونها أستاذًا مساعدًا في بحوث الأشعة بكلية طب وايل كورنيل، فضلًا عن نشر العديد من الأبحاث العلمية في مجلات علمية معتمدة، والمشاركة في العديد من المؤتمرات الدولية، كما نظمت عددًا من الفعاليات العلمية داخل الدوحة.
صدر لها سنة 2022 م كتاب مرجعي علمي باللغة الإنجليزية في الفيزياء الطبية، ونشرت العديد من الأبحاث العلمية في الدوريات العالمية في مجال التخصص في الفيزياء الطبية، وكانت لها مشاركات قيمة في العديد من المؤتمرات العلمية المحلية والخليجية والعربية والعالمية فكانت نموذجًا مشرفًا للمرأة القطرية العالمة الأديبة والمثقفة.
الباحثة أمام أثقال الفقد
عند عودتها إلى أرض الوطن واجهت العديد من الصعوبات والتحديات حيث لم يكن العالم مهيأ كما هو اليوم لاستقبال طموح فتاة قطرية، وإصرارها على العطاء والتغيير إلى ما هو أفضل، لكنها واجهت في العديد من الأحيان رفضًا للتغيير ووجدت نفسها ممزقة بين رغبة في التغيير ومواكبة مستجدات الحياة والمجتمع دون صدامات، والتمسك بخصوصية وعادات المجتمع الذي تحبه وتنتمي إليه فكرًا وكيانًا وترفض الانسلاخ عنه بسبب دكتوراه أو شهادات عليا.
كان التحدي الحقيقي لها ولعدد كبير من بنات جيلها أن تبتعد عن صدمات التغير السريع والمفاجئ، فكان لزامًا عليها أن تحافظ على احترام معايير المجتمع، وفي الوقت نفسه الأخذ بعين الاعتبار عامل الوقت والتسارع الذي قد يؤدي إلى ما هو غير محمود، وفي الوقت الذي كانت تعيش فيه هذا الصراع تبنت الدولة رسميًا بعض المتغيرات واتخذت قرارات تدفع عجلة التقدم وتكسر بعض الأصنام الفكرية والحواجز الثقافية من بينها قيادة المرأة للسيارة، فكانت ضمن المتقدمات للحصول على رخصة القيادة بعد شهور عدة من السماح للمرأة بالقيادة.
وبعد ذلك تقبل المجتمع التغيير كنوع من مستلزمات الحياة ومستجداتها وليس تحديًا صارخًا لقوانينه وعاداته، ونجح المجتمع القطري في تحقيق المعادلة الصعبة بين الحفاظ على القيم الإسلامية، ومعايير الهوية الوطنية من جهة ومسايرة التغيير لملاحقة المتغيرات العالمية المتلاحقة من جهة ثانية ليكون الاستثناء والقدوة لبقية المجتمعات العربية.
تقدير لمسيرة علمية وأدبية
اعترافا بإسهاماتها وإنجازاتها حصلت على العديد من الجوائز المحلية والعربية والعالمية، مثل جائزة الإبداع القصصي بالدوحة سنة 1998 م، جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الطبية بالدوحة 2017 م، وجائزة لوفسيال للمرأة العربية عام 2012 م، وجائزة نجوم التميز العلمي بمؤسسة حمد الطبية في قطر، وجائزة الريادة للإبداع بدمشق سنة 2009 م.
كذلك فازت بالميدالية الذهبية من المعهد الدولي للفيزياء في لندن عام 2019 م، واختيرت شخصية العام في معرض الكتاب الدولي- مركز قطر لتنمية المجتمع بالدوحة 2020 م.