أسماء العامري
دليل الشخصيات ←

أسماء العامري

دبلوماسية قطرية حملت هويتها إلى الخارج، وكسرت حواجز الغربة بثباتٍ جعل الخدمة العامة طريقها إلى الحلم.

النسخة النسائية الثانية · 2024 · الصفحات 34–39

سعادة السيدة أسماء بنت ناجي العامري، سفيرة فوق العادة ومفوضة لدى جمهورية كرواتيا، ووزيرة مفوضة في وزارة الخارجية سابقًا. كرست مسيرتها لخدمة وطنها وتمثيله، وحولت قسوة الغربة إلى دافع للثبات والعطاء.

هوية تتشكل في البيت

ولدت في سبتمبر 1974 م في منطقة الوكرة، وهي جزء من عائلة قطرية تقليدية تتكون من ثلاث بنات وأربعة أولاد، والدها من رجال الشرطة حمل لواء حماية الضعيف، وكان رمزا للأمانة والوفاء والعين الساهرة التي لا تنام ويد العون التي لا تتخلى عن محتاج.

نظرًا لطبيعة عمل والدها والتزاماته الوظيفية انتقلت العائلة من مدينة الدوحة إلى مدينة مسيعيد، وهناك قضت سنوات طفولتها الأولى فالتحقت بمدرسة مسيعيد الابتدائية وبعدها انتقلت العائلة إلى الوكرة، وهناك درست المرحلة الإعدادية والثانوية، لم تكن مرحلة الانتقال سلسة بالنسبة لها في البداية حيث وجدت صعوبة بعض الشيء في التأقلم، ولكن بعد فترة قصيرة انخرطت في أجواء المدرسة، وكونت صداقات جديدة.

ورغم طبيعة الحياة البسيطة غير المتكلفة البعيدة عن مظاهر البذخ والترف، فقد عاشت طفولة صحية متوازنة هادئة وممتعة، فكانت الحفلات البسيطة التي تقام في النادي حدثًا يجتمع عليه الأطفال، ويسعدون به ويكون محور أحاديثهم لأسابيع، وكان لقاءات الشابات وقصصهم الطريفة مصدرا للسعادة ولتجديد الطاقة وتغذية الشغف.

شهدت شخصيتها تحولات كبيرة تكاد تكون جذرية ففي طفولتها كانت شخصية خجولة وقليلة الكلام، ساعدت في تحمل بعض المسؤوليات في المنزل، وتزايدت المسؤولية مع مرور السنوات، وهو ما جعلها تعتمد على نفسها بشكل كبير وبنى لديها حس المسؤولية، لتتطور الشخصية شيئًا فشيئا مع المراحل العمرية المختلفة حتى تفتحت الوردة وفاح عبيرها.

البداية من بوابة الدبلوماسية

في خضم طفرة التعليم التي شهدتها المؤسسة التعليمية في دولة قطر تخرجت من جامعة قطر تخصص آداب لغة إنجليزية سنة 1997 م، وكان لديها حلم يراودها بالعمل في السلك الدبلوماسي وأن تصبح سفيرة تمثل بلادها في المستقبل، ولأنه في ذلك الوقت لم يكن هناك عنصر نسائي في وزارة الخارجية، قامت بتقديم طلبات توظيف في عدة وزارات وأثناء انتظارها للرد، شاءت الأقدار أن تم الإعلان عن إنشاء أول قسم نسائي في وزارة الخارجية وكانت هذه اللحظة المنتظرة، حيث التحقت للعمل بوزارة الخارجية لتكون ضمن أول دفعة نسائية تعمل فيها، وواحدة من الرعيل الأول الذين أسهموا بشكل كبير في تأسيس إدارة البحوث وتحليل وتقنية المعلومات برفقة مجموعة من الشابات والشباب، وتزامن عملها في الوزارة مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية التي شهدتها قطر في فترة التسعينيات خلال فترة حكم صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني – حفظه الله –.

جميع الظروف والمعطيات من تغير الأفكار البالية حول دور المرأة والمجالات المتاحة لها وتطور التعليم وتضاعف الفرص والاهتمام الكبير من الدولة بالشابات القطريات لتقود في مسار لم يكن يخطر على بالها، وأوصلها إلى ما وصلت إليه اليوم.

حظي القسم النسائي في وزارة الخارجية باهتمام ودعم كبيرين من أعلى رأس السلطة وكافة المسؤولين حتى أن صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني – حفظه الله – ومعالي الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني والعديد من كبار المسؤولين أجروا زيارة له، وهو ما جعل وزميلاتها يشعرن بالفخر والانتماء، وهو ما أشعل شرارة الشغف لديهن وشجعهن على العطاء اللامحدود. شغف وجهد وعطاء فريق الشابات وقدرته العالية على التجديد الابتكار واقتراح أفكار جديدة ورائدة برؤية مختلفة، نجح في شد الانتباه وحصد الإعجاب من الجميع، وقد لاقى اهتمام الجميع في الوزارة، والذين قدموا دعما كبيرا للفريق وأتاح له فرص التميز، وفتح أمامه مجالات الابتكار.

هذا النجاح والإنجاز لم يكن ليتحقق أو يرى النور لولا النقلة النوعية التي شهدها المجتمع القطري، حيث كان عمل المرأة في السابق مقتصرا على قطاع التعليم، ونجح جيل من فتح المجال واسعًا لمن لحقنهن بعد أن أثبتن جدارتهن وقدرتهن العالية على أداء مهام صعبة ومعقدة. في البداية كان كل الفريق النسائي إداريات، ولم يكن يسمح لهن بالالتحاق بالسلك الدبلوماسي ورغم ذلك فلقد كن يؤدين عملهن بكل حب وشغف وإتقان وتمكن من إثبات أنفسهن، وكانت هذه الوظيفة بوابة لسبر أغوار عوالم السياسة، وأكسبتها القدرة العالية على اختيار المحتوى المناسب بكل دقة وحرص.

الحلم يتقدم بخطوات ثابتة

بدأت مسيرتها المهنية في سن مبكرة، وهو ما جعلها تحقق نجاحات وإنجازات استثنائية في أوقات قياسية، حيث تسلقت السلم الوظيفي بثبات، فوظيفتها الأولى كانت في إدارة البحوث وتحليل وتقنية المعلومات كباحثة، لتنتقل بعدها للعمل في إدارة الشؤون الأوروبية والأمريكية التي كانت من أهم محطات مسيرتها.

في سنة 2013 م حصلت على ترقيتها الأولى، حيث التحقت بالسلك الدبلوماسي برتبة سكرتير أول ثم مستشار، وتوالت بعدها المناصب لتصبح وزير مفوض في فبراير 2018 م، كما أنه تم تعيينها كمساعد لمدير إدارة الشؤون الأمريكية سنة 2014 م وبذلك تصبح من أوائل السيدات اللاتي يعتلين المناصب في وزارة الخارجية، واستمرت في هذا المنصب إلى نهاية سنة 2020 م حيث تم نقلها للالتحاق بالعمل في سفارة دولة قطر في العاصمة الأمريكية واشنطن، وبذلك وضعت قدميها بثبات في طريق تحقيق الحلم. إلى أن تحقق هذا الحلم وأصبح واقعا في شهر نوفمبر من سنة 2023.

الغربة امتحان الرسالة

كانت فكرة السفر تراود هي ولكن نظرًا لظروف أسرية خاصة حالت دون تحقيق في تلك الفترة، حيث إنها كان من أولوياتها الأسرة ثم العمل، إلى أن جاء الوقت المناسب وسنحت الظروف لها للمضي قدمًا في تحقيق حلمها.

وبعد استشارة الأهل ودعم كبير خاصة من والدتها، قررت اتخاذ قرار مصيري يغير حياتها بشكل جذري، وأقدمت على خطوة السفر رغم أنه لم يسبق لها أن ابتعدت عن عائلتها حيث إنها شعرت أنه قد آن الأوان لخوض تجارب جديدة وإن كل الظروف كانت لصالح هذا القرار

تمثيل الوطن فوق المسافات

في الكثير من اللحظات شعرت بالتشتت والتمزق بين عشقها لأرض الوطن وتعلقها الشديد بها وبأسرتها وبين واجب تلبية نداء الوطن لتمثيله، وهو ما شكل تحديا كبيرا بالنسبة إليها، وحتى بعد أن اختارت أن تخدم وطنها من خلال خدمة أبنائه في الولايات المتحدة الأمريكية إلا أن جزءًا من روحها ظل معلقا برائحة الوطن وما زاد من وطأة السفر هو الشعور، بالوحدة في بلد غريب لا أهل لها فيه ولا سند، وبثقافة مختلفة تماما عن ثقافة وطنها.

ولم يكن الابتعاد عن الوطن والعائلة التحدي الوحيد بالنسبة إليها حيث إنها كانت متعلقة بعملها ومكان العمل الذي تعده بيتها الثاني، وكانت لديها العديد من التخوفات، ولم تتبدد هذه المخاوف إلا بعد باشرت عملها في أمريكا في 4 يناير/كانون الثاني 2021 م، فكانت فترة إقامتها في العاصمة الأمريكية واشنطن مليئة بالتحديات والمغامرات الحلوة والمرة، كما أنها كانت تجربة ساهمت اسهامًا كبيرًا في تطوير شخصيتها في جوانب عديدة.

كما أنها قد تمكنت من الموازنة بين وظيفتها وعائلتها، ولم تبعدها الغربة عن أجواء العائلة كما جعلتها الغربة تكتشف جوانب في نفسها لم تكن تدركها.