هدية سعيد
دليل الشخصيات ←

هدية سعيد

نشرت التفاؤل عبر الفن رغم ثقل التجارب، وحافظت على الأسرة والوفاء بوصفهما جوهر رسالتها.

النسخة النسائية الأولى · 2022 · الصفحات 341–348

هدية سعيد العطشان، ممثلة قطرية وموظفة في وزارة الثقافة والرياضة.

امرأة من جيل الطيبين، تنشر الحب وتشع تفاؤلا في حياتها الأسرية والاجتماعية ومن خلال أدوارها التمثيلية رغم قلبها المثقل بالهموم ورغم ما خاضته من التجارب القاسية والتي وشمت في روحها قبل ملامحها خلال سنوات عمرها الستين، رفيقة والدها وصندوق أسراره تعلمت منه الحكمة وورثت عنه قوة الشخصية، إنها سيدة عنيدة وطموحة، تحدت المجتمع وأثبتت وفاءها للفن والثقافة فكانت مسيرتها الفنية حافلة بالأعمال التمثيلية التي خطفت من خلالها قلوب الجمهور، عملت موظفة في وزارة الثقافة والرياضة لكن ولاءها الأكبر لعائلتها وأبنائها الثلاثة وزوجها رفيق دربها الذي ساندها ووقف إلى جانبها في وجه الانتقادات وواجه معها المجتمع المتحفظ كان من أهم أسباب نجاحها مهنيا وفنيا فردت الجميل وبادرته المساندة عندما جعله المرض طريح الفراش، أم مكلومة بفقدان فلذة كبدها «عبدالله»، إيمانها بالله- سبحانه وتعالى- وحب الحياة الذي يعمر قلبها ساعدها على تجاوز المحنة ومواصلة حياتها لتكمل المسيرة والرسالة.

بين المرقاب والمنتزه

نشأت في منطقة المرقاب وكان والدها يعمل في مستشفى السدر بعد ذلك انتقلت عائلتها إلى منطقة المنتزه، كانت طفولة هادئة ومحاطة بالحب من أفراد العائلة وجميع الجيران الذين تربطهم علاقات وثيقة وتسود بينهم أجواء التعاضد والتكاتف والتعاون، وزاولت تعليمها الابتدائي في مدرسة المنتزه.

١٣ سنة

تزوجت زوجها الذي يكبرها ب 26 سنة بينما كانت تبلغ من العمر 13 ربيعا وانتقلت إلى بيت زوجها في النجمة وأنجبت ابنتها البكر سارة وابنها الثاني عبدالله – رحمه الله – بينما كانت تعيش في بيت العائلة ثم رجعت للإقامة في بيت والدتها بعد أن بنت ملحقا خاصا بها، وقضت سنوات صعبة بسبب تكرر حالات سقوط الأجنة لثلاث مرات، وبعدها من عليها الله بابنها الصغير عبدالعزيز ومنحتها الدولة منزلا لتقيم فيه مع أسرتها الصغيرة، ليتحسن بذلك مسار حياتها وتحظى بالاستقلالية والاستقرار.

رفيقة والدها

تحملت المسؤولية في سن مبكرة وواجهت العديد من التحديات والصعوبات وعاشت الكثير من الآلام والجروح التي جعلتها تنضج، وكان أصعبها وأشد المواقف قسوة وفاة والدها – رحمه الله – الذي كان قريبا جدًا منها وكان يعتبرها صديقته ورفيقته حتى أنها كانت تلازمه أينما ذهب حتى للمجلس وهو ما جعله يتعرض لبعض الانتقادات التي لم يكن يبالي بها وكان يتفاخر بذكاء ابنته وفطنتها ويكرر أنه لا يمكنه الاستغناء أو الابتعاد عنها، من هذه المواقف وهذه العلاقة المميزة استمدت قوتها وثقتها بنفسها، لا سيما أن والدها كان يملك شخصية قوية فريدة ويتسم بالحكمة ورجاحة العقل، فهو من يصلح بين المتخاصمين ويلجأ له الأهالي لحل المشاكل.

فرغم حزمه وشدة طبعه حيث إنه كان يعاقبها بالضرب الشديد في حال تأخرت في العودة إلى المنزل وتجاوز الوقت صلاة المغرب، إلا أنه كان طيب القلب ورمزا للصلابة واللين في آن واحد، وهو ما جعلها تشعر أنها فقدت سندها بعد وفاته وأنها أصبحت وحيدة، ورغم محاولات والدتها مواساتها وتعويضها ومنحها الحنان إلا أنها لم تستطع أن تخفف من ألمها وشدة وجعها وانكسارها.

دور أم

بدأ اهتمام بالتمثيل منذ سن مبكرة عندما كانت طالبة في المدرسة الابتدائية حيث أتيحت لها الفرصة للمشاركة في عرض تمثيلي في حفلة ختام الفصل الدراسي وقد جسدت دور أم وأتقنته وهو ما جعل مدرستها تلاحظ موهبتها وتثني على أدائها المميز، لكن هذا الحدث والثناء مر مرور الكرام ولم توله أي اهتمام إلى أن شاءت الأقدار أن تجد نفسها مرة أخرى في لقاء مع خشبة المسرح بينما كانت ترافق إحدى قريباتها التي كانت تهتم بالموسيقى والمسرح إلى فرقة الأضواء، وهناك قابلت الممثلين وبدأ العشق الحقيقي لهذا العالم المهيب.

قسم المسرح والموسيقى بمشيرب

في بداية مسيرتها لم يكن أهلها على علم بحبها للمسرح ونيتها دخول المجال حيث كانت تذهب لقسم المسرح والموسيقى بمشيرب برفقة قريبتها دون علم أهلها، فكانت قريبتها تتجه إلى قسم الموسيقى لعملها مع فرقة موسيقية بينما كانت تتابع الممثلين والمخرج كمال محيسي وهم يتدربون وقد عبروا في أكثر من مرة عن حاجتهم إلى عنصر نسائي، فتقدمت وطلبت منهم إشراكها في المسرحية وسألها المخرج إن كانت تمتلك القدرة على التمثيل فقالت له فلنكتشف ذلك سويا، واستلمت النص وبدأت في قراءته وكانت تأخذه معها للمدرسة، حتى أنها حفظت النص بأكمله وليس فقط دورها، وبدأت في التدريب واستمرت فيه دون علم عائلتها، حتى أن والدتها استغربت من غيابها المستمر لساعات طويلة عن المنزل وعاتبتها أكثر من مرة لكن كانت تقنعها أنها فقط تتمتع بالجلوس بصحبة رفيقاتها ولا تشعر بسرعة مرور الوقت.

وفي إحدى المرات بينما كانت تجلس في كواليس المسرح مع رفيقتها الممثلة تتجاذب أطراف الحديث وإذا بالمخرج يناديهم فهرعتا إليه مسرعتين إلا أنه كان غاضبا جدًا لعدم جديتهما في العمل وأخذ من يدها كأس الشاي ورماه على المسرح وقال لها إنها لن تتمكن من النجاح وأنها لا تصلح للتمثيل بسبب الاستهتار وعدم احترام خشبة المسرح، كان هذا الكلام بالنسبة لها صفعة قاسية غير كثيرًا من تصرفاتها وأصبحت بعدها أكثر التزامًا وجدية لا سيما أن المخرجين في تلك الفترة كانوا يعاملون الممثلين المبتدئين معاملة الآباء لأبنائهم ولا يقبلون التهاون والتراخي.

العرض الأول

خلال عرضها الأول على المسرح وبينما كانت تلعب أول دور في حياتها وتؤدي خطابها إلا أن أحد الأشخاص كان يقفز على الكرسي واقترب من المسرح اكتشفت أنه أخاها غير الشقيق، صعد على المسرح وسحبها بقوة وانهال عليها بالضرب وجرها من المسرح إلى المنزل وهو ما اضطر المخرج لإنزال الستار، وعند العودة إلى المنزل تواصل ضربها كما عوقبت بالسجن في المنزل، حتى أن جميع أفراد عائلتها الموسعة وجيرانها عاتبوها ولاموها على الاختلاط مع الرجال وتحدي عادات المجتمع الذي كان يرفض رفضا قاطعا الاختلاط وخاصة التمثيل، لكن العقاب والرفض والنبذ الذي تعرضت له لم يزدها إلا إصرارا وعزيمة على مواصلة طريقها في هذا المجال الذي أصبح شغفا وحلما ورسالة، وتحدت جميع أفراد عائلتها ومجتمعها وعادت للمسرح وقد لقيت نجاحا كبيرا وخطفت قلوب الجماهير الذين أصبحوا ينتظرون جديد أعمالها بفارغ الصبر، وتلت بعد ذلك أعمالها في المسرح والإذاعة، ووضعت جميع من حاول منعها من التمثيل أمام الأمر الواقع لا سيما أنها ظلت محافظة على تقاليد المجتمع من حيث الملابس والمظهر المحتشم وطلعت في صورة مشرفة لعائلتها وكانت تختار أدوارها وأعمالها بعناية فائقة وتحاول دائما أن توصل في مختلف أعمالها رسالة سامية ولا تكون لمجرد التسلية.

سند السند

وقف زوجها إلى جانبها في وجه المجتمع وساندها ودعم أحلامها وشجعها على مواصلة حلمها وهو ما كان له دور كبير في نجاحها ومنع الجميع من التدخل في حياتها وتصرفاتها لأنه كان يؤمن بموهبتها وبرسالتها رغم أن المجتمع كان شديد التزمت وكان مجال الفن محدودا جدًا ومقتصرا على الرجال.

جلطة دماغية

واجهت العديد من التحديات والمواقف الصعبة من بينها تعرض زوجها لجلطة دماغية سنة 2005، وهو ما شكل لها صدمة حتى أنها تجمدت ولم تتمكن من القيام بأية ردة فعل وقتها، فلم تتقبل أن زوجها الذي كان دائم الابتسامة دائم الحديث والمزاح معها أصيب فجأة بجلطة جعلته طريح الفراش غير قادر على المشي وغير قادر على التعرف عليها أو على أبنائه، وقد تم بعدها نقله إلى المستشفى ومكث قرابة ستة أشهر في مستشفى حمد وأربعة أشهر في العيادة النفسية وفي مستشفى رميلة للعجزة لقرابة السنتين، وكانت تزوره بشكل يومي من الساعة الرابعة فجرا إلى الساعة الواحدة ليلا من اليوم الموالي، وكانت تشاهد هناك العديد من الحالات التي تذيب القلب ولم يكن أمامها سوى الدعاء لله لشفاء زوجها وبقية المرضى.

حادث عبدالله

عام 2007 كانت تحتفل بخطوبة ابنتها، كانت أجواء السعادة تعم المنزل ولا سيما عبدالله الذي كان يتصرف على غير عادته حيث تغلب على خجله ورقص مع العائلة، وفي اليوم الموالي تلقت العديد من المكالمات من قطر ومن بعض بلدان الخليج للاطمئنان على حالتها، بينما كانت في أحد المتاجر تشتري بعض اللوازم الضرورية للسفر، حيث كانت ستذهب لتجهيز ابنتها، فاستغربت من بعض المكالمات غير المتوقعة لكنها لم تفهم سبب هذه المكالمات إلى أن اتصل بها صهرها وأعلمها أن ابنها عبدالله تعرض لحادث وهو في مستشفى حمد يخضع للفحوصات والعلاج، وعند الوصول للمستشفى تفاجأت بعدد الزوار الكبير لا سيما من الشباب الذين أغلقوا باب المستشفى ففكرت أن أحد المصابين أو المرضى في المستشفى قد توفي لكن لم يخطر على بالها أن يكون فلذة كبدها، إلى أن قابلت بعض أفراد عائلتها الذين بدت عليهم علامات الصدمة والحزن فسألتهم عن حالة عبدالله فصمت الجميع وسالت الدموع والتف الجميع حولها يواسونها ويحضنونها وأعلموها أن ابنها قد فارق الحياة، وهو ما جعلها تفقد الوعي، ورغم ألمها وانكسارها إلا أنها شعرت أن الله ألهمها الصبر والقوة لتحمل مصابها وعندما أحضرت سيارة الإسعاف عبدالله لمنزلها شعرت وكأنه يبتسم لها، ورغم أن زوجها لم يكن يعي ما يحدث من حوله بسبب حالته الصحية إلا أنها أسرعت له وبدأت تصرخ «عبدالله مات عبدالله مات» ففاجأها زوجها بالكلام حيث قال لها اصمتي لا تكرري هذا الكلام، هذه أمانة من الله منحنا إياها والآن استرجعها وليس أمامنا إلا أن نقبل القضاء والقدر ولا اعتراض على قضاء الله وطلب منها أن تصلي وتشكي لله ألمها، ورغم حسرتها على فقدان ابنها إلا أنها كانت متفاجئة بقدرة زوجها على الكلام، بعد ذلك دخلت غرفتها صلت وقرأت القرآن الكريم وحمدت الله واستغفرته، ومنذ هذه اللحظة شعرت بقوة كبيرة على الصبر والتحمل وتقبل مصابها، وشعرت أن هطول المطر بغزارة يوم جنازة عبدالله رسالة من الله- سبحانه وتعالى- غسل أحزانها وجعل الأرض رطبة لاستقبال عبدالله في قبره.

هدية الفخر

شاركت في العديد من المهرجانات داخل قطر وخارجها وحصلت على مجموعة كبيرة من التكريمات والجوائز في قطر ودول الخليج وعدة دول عربية، وكرمت أيضًا من سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني والعديد من جهات الدولة والوزارات، كما كان لها حضور دائم في الندوات وتمت استضافتها في العديد من المناسبات كضيفة شرف، وهو ما جعلها مصدر فخر لأهلها وأقاربها الذين يعتبرونها رمزا للمرأة القوية الناجحة والمشرفة.

صاحبة رسالة

تؤمن أن عمر الفنان لا يقاس بسنوات حياته بل بإنجازاته وأن عطاء المبدع لا يتوقف عند سن معين وأنه لا يصل أبدا إلى مرحلة الكمال والمثالية فرغم أنها بلغت الستين من عمرها إلا أنها تشعر أنها ما زالت قادرة على العطاء والمساهمة سواء في مجال عملها في وزارة الثقافة والرياضة أو في الفن وأنها ما زالت في مرحلة التعلم، وهي تستفيد من مختلف الملاحظات والتجارب التي تخوضها والخبرات التي تقابلها سواء كانوا أكبر أو أصغر سنا، كما أنها لم تتسرع للحصول على الشهرة التي تكون ثمرة صبر ومثابرة واجتهاد.