غادة عويس
دليل الشخصيات ←

غادة عويس

إعلامية حازمة لا تساوم على مبادئها، صنعت حضورها بين الخبر والميدان بقوة الشخصية ووضوح الموقف.

النسخة النسائية الأولى · 2022 · الصفحات 187–192

غادة كرم عويس، مذيعة وصحفية لبنانية في قناة الجزيرة الإخبارية.

الفرصة والاجتهاد وبين جميع المتناقضات برزت امرأة استثنائية صاحبة شخصية قوية حازمة وحاسمة محافظة مؤمنة ومتدينة تهوى الحياة وترفض التنازلات مهما كانت الغايات، الإعلامية مذيعة لبنانية بقناة الجزيرة الإخبارية من جيل السبعينيات، دخلت جميع البيوت العربية عبر شاشاتها ونقلت لهم الأفراح والمآسي، ورثت قوة الإرادة عن والدتها والحكمة والرصانة عن والدها الذي كان لها المرشد والموجه، رفضت المساومة والخضوع ووضعت كرامتها فوق كل الاعتبارات وواجهت الصعوبات والتحديات بذكاء وتأقلمت مع ظروف الحياة وتقبلت الاختلافات والتنوع والرأي المخالف اجتهدت وطورت نفسها لتصنع لها اسما وسط قامات الإعلام العربي فصارت واحدة من أبرز الوجوه والأسماء.

الحرب الأهلية

عاشت مرحلة الطفولة في لبنان وعايشت الحرب الأهلية، كانت تظن أن الحرب قصة تنتهي بالسعادة بالانتصار، لكن عندما كبرت واكتسبت خبرة في الحياة أيقنت أن الحرب ليست قصة تطوى صفحاتها وتنتهي بل هي واقع مرير ومستمر يعيشه لبنان، وأهم من ساهم في رسم ملامح شخصيتها هي والدتها ووالدها، لا سيما والدتها التي تتمتع بشخصية قوية حازمة وحاسمة محافظة مؤمنة ومتدينة أما والدها فكان معتدلا جدًا هادئا رصينا لا ينتمي إلى أي حزب وليس لديه أي أعداء صديق الجميع من كافة الطوائف والأديان ومن جميع الأحزاب، يحظى باحترام وتقدير الجميع وكان قدوة لها ومثلها الأعلى، كان حكيما وساكنا وهو بمثابة المرجع بالنسبة لها لتحديد مواصفات الشخص المثالي الذي يتميز بالهيبة والتوازن والوقار. تفتخر بوالدها وتقدر شخصيته ونضجه الذي أصبح عملة نادرة، كان المرشد والناصح والموجه وكانت نصائحه ثمينة في محلها ولا تخطئ تجعلها ترسو في بر الأمان وتنأى بها عن المصاعب والمتاعب والتجاذبات وتقودها لطريق النجاح، وكانت تحليلاته وتوقعاته في محلها وصاحب نظرة ثاقبة وبعد نظر، فلقد أثرت الأوضاع الصعبة والحروب والأحداث التي عاشها لبنان على شخصيتها حيث عاشت الخوف وطبعت في ذاكرتها لحظات الاختباء من القذائف والسيارات المفخخة.

الأم الصارمة وجامعة الصحافة والإعلام

درست في مدرسة راهبات المحبة في لبنان حيث تعلمت التواضع والبساطة وحب الغير بالإضافة إلى تحصيل العلوم، وكانت تتمتع بذكاء حاد ما جعلها تتفوق في الدراسة، كانت تحلم أن تصبح محققة بعد أن تأثرت بمسلسل «هانتر» الشهير وتغير الحلم بعد ذلك فأصبح طموحها أن تكون مخرجة حتى أنها حلمت بالسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لتكون مخرجة مثل «ستيفن سبيلبرغ» لكنها كانت مجرد أحلام طفولة تدخلت والدتها لتقوم عنها بمهمة اختيار مستقبلها فاختارت عوضا عنها وسجلتها في جامعة الصحافة والإعلام في لبنان، وكانت غير مقتنعة ولا تحب الصحافة ولا عالم الأخبار والسياسة فأجبرتها أمها التي كانوا يطلقون عليها مزاحًا «الدكتاتور» إذ كانت أوامرها شبه عسكرية لا تقبل النقاش كما تقول بمزاح لطيف.

انتهاء الصراع العربي الإسرائيلي

وصلت إلى الكلية لخوض الاختبار وكانت غير مستعدة نفسيا ولا جسديا لأنها لم تنل ساعات نوم كافية لكنها قدمت الاختبار الذي ما زالت تذكر الأسئلة التي طرحت فيه وكان أحد الأسئلة

«ما هو الحدث السياسي الذي ترغب في تغطيته بعد التخرج من كلية الصحافة؟»، فكانت إجابتها أنها تتمنى أن تغطي انتهاء الصراع العربي الإسرائيلي وتحرير القدس وعودة الفلسطينيين إلى أراضيهم، هذا الذي كانت تتمنى أن تنقله إلى الناس. ورغم أنها لم تكن راغبة في دخول كلية الصحافة إلا أنها نجحت في الامتحان وحصلت على مرتبة متقدمة في قائمة الناجحين وتم اختيارها من قبل إدارة الجامعة.

رفض المساومة والخضوع

تعتبر أن النجاح الحقيقي في الحياة هو تحقيق السعادة والسلام الداخلي، وهي فخورة بنفسها لأنها لم تتغير ولم يصبها الغرور وبقيت محافظة على مبادئها التي غرست فيها منذ الطفولة رغم الصعوبات والتحديات ولم تخضع مبادئها للمساومة، وتحاول دائما أن تمد يد العون لكل من يحتاجها ويطلب المساعدة، كما تبتعد عن المظاهر المادية وعن السطحية والاستعراض حيث جعلت كرامتها فوق كل الاعتبارات، فالاحترام هو الخط الأحمر الذي ينبغي عدم تجاوزه، والكرامة هي الثروة الحقيقية لكل إنسان. حتى في إطار عملها كصحافية دائما ما ترفض المساومة والخضوع وهو ما تسبب لها في العديد من المشاكل.

بين لبنان وقطر

من أهم المواقف التي صقلت شخصيتها وطورتها هو الغربة والابتعاد عن المنطقة المريحة ومواجهة مغامرات جديدة قد لا تكون مضمونة النتائج وهو ما أربكها وأقلقها، فعندما سافرت وابتعدت عن بلدها لبنان وتركت وراءها عائلتها وأصدقائها وأهلها ومنزلها وجاءت إلى بلد جديد لا تعرف فيه أحدا. وصلت إلى قطر لتتعرف إلى بيئة ثقافية جديدة وطبيعة مختلفة عن بلادها. هذه العوامل الثقافية والجغرافية صعبت عليها التأقلم في البداية لكن انكبابها على العمل وتركيز جهودها على تطوير ذاتها كان له الأولوية فأخذت تمضي معظم الوقت في القراءة والتحضير وهو ما رسم طريق نجاحها وبناء شخصيتها كصحافية حيث لم تكن لديها حياة اجتماعية، من ناحية ثانية في لبنان لم تتعود على مخالطة جنسيات مختلفة لكن منذ وصولها لقناة الجزيرة تعرفت على مختلف الجنسيات العربية والغربية وتعاملت معهم، كل ذلك فتح أمامها آفاقا جديدة من النواحي الاجتماعية والمهنية حيث تعلمت من قامات الصحافة في الجزيرة وعمالقتها كانت تراقب من سبقها في المهنة وتتعلم منهم وكيف انطلقوا في الصحافة وكيف يعملون وكيف يحضرون ويجهزون أنفسهم ويتابعون، فقد كان تحديا كبيرا مخيفا ومقلقا أن تكون زميلا لمذيعين مشهورين أصحاب قاعدة جماهيرية كبيرة لكنه في الوقت نفسه محفزا على بناء النفس وتطوير المهارات والخبرة، فالجزيرة كانت تحديا كبيرا والبدايات كانت صعبة لكن ما لا يقتل الإنسان يقويه، وبالاجتهاد تكسب مكانة بين أفراد العائلة الإعلامية وتكون جزءًا مميزا منها، فإن تدخل صرحا مثل الجزيرة بعد المجيء من بلد صغير ومن وسيلة إعلام محلية إلى وسيلة إعلام تحظى بمتابعة واحترام الملايين في العالم العربي وبمعايير عالية جدًا ليس بالأمر الهين، وهو ما جعلها تبذل جهدا مضاعفا وهذا ما قواها.

قناة الجزيرة

تعتبر أن قناة الجزيرة الإخبارية غيرت حياتها وصقلتها كصحافية، وهي تدين لها بهذه الفرصة النادرة في العالم العربي وتضيف أنها مدينة لوالدها بأن منحها الثقة بالنفس وقوى شخصيتها لتكون ما هي عليه اليوم، وتدين لوالدتها التي آمنت بموهبتها وقدراتها واختارت لها الصحافة وشجعتها وهي تدين لمن أنشأ الجزيرة المحطة الأولى في العالم العربي والأكثر مهنية ولا تنسى فضل زملائها في الجزيرة الذين تعلمت منهم الكثير في المجال.

العادات والتقاليد

تعرضت للكثير من العراقيل في مسيرتها بسبب اختلاف العادات والتقاليد والثقافات في المنطقة وهو ما سبب لها الكثير من المشاكل، فمنذ ولادتها وهي تعاني من المشاكل التي يعاني منها الشرق والتي تؤثر على الجميع، وهي تعتبر أن هذه العراقيل موجودة في كافة أنحاء العالم وهي جزء من مهنة الصحافة، كما أن كل من يبحث عن الشهرة وصناعة اسم ووزن في العالم يأتي إلى الشرق الأوسط، فلقد كانت شديدة التأثر بكل ما يحيط بها سواء في المنزل، أو الحي، أو مكان العمل، أو البلد الذي تقيم فيه.