

علي السعدي
تدرج في هندسة الطيران حتى مواقع القيادة، وجعل الدقة والانضباط معيارين لإدارة المسؤوليات الكبرى.
النسخة الرجالية · 2024 · الصفحات 536–543
المهندس علي محضار أحمد السعدي، مهندس طيران وقيادي في قطاع الطيران.
النشأة والطفولة
ولد في 8 يونيو/حزيران 1984 في منطقة الخلفيات وسط عائلة قطرية تقليدية متوازنة ومترابطة ومتماسكة كبيرة العدد، والده محضار السعدي عمل بقسم الهندسة في وزارة الداخلية، عرف بشخصيته الصارمة والحازمة والقريبة من أبنائه داخل البيت والاجتماعية والودودة خارجه، فكان القدوة لأبنائه الذين تعلموا منه الانضباط والالتزام، وورثوا عنه قوة الشخصية والإرادة الفولاذية.
وجد داخل البيت البيئة المناسبة للتميز والاجتهاد، وحظي باهتمام كبير من والديه اللذين خصصا الجزء الأكبر من وقتهما لتعليم أبنائهما وبناء شخصياتهم وتطوير قدراتهم. ولم يكونا يتساهلان مطلقًا فيما يتعلق بالالتزام الديني والأخلاقي والانضباط في الدراسة.
عندما بلغ خمس سنوات انتقلت العائلة لمنطقة الغرافة وسرعان ما كون علاقات وطيدة مع الجيران، ولم يجد صعوبة تذكر في التأقلم بأي مكان، وكان إخوته أقرب الناس إلى قلبه فهم أصدقاؤه الذين يرافقونه أينما ذهب، إذ ربطت الإخوة علاقات وطيدة نظر إلى تقارب أعمارهم، فكانوا يدرسون في المدارس نفسها، ويمارسون الأنشطة ذاتها.
تنمية المواهب
ومنذ نعومة أظفاره برزت شخصيته الهادئة والرصينة والواثقة، فكان طفلًا مطيعًا ملتزمًا مجتهدًا وموهوبًا في الرياضة والفن حيث التحق في عمر الحادية عشرة بفريق البراعم تحت 11 بنادي السد الرياضي وبعد سنة واحدة انتقل لممارسة رياضة كرة السلة بالنادي ذاته واستمر به ووصل معه إلى مراحل ومستويات متقدمة في البطولات المحلية وبطولات الخليج، وقد تدرب على يدي الكابتن أحمد عبد الهادي الذي كان له الفضل الكبير في حب لهذه الرياضة، وكان هذا الرجل يمزج بين الصرامة واللين والقدرة على وضع الحدود والقرب من الفريق في آن واحد، وهو ما جعل أوقات التدريب فرصة للترويح عن النفس والاستمتاع بالوقت واكتساب مهارات جديدة وتطوير القدرات.
وقد لقي الدعم الكبير من والده الذي كان يتابع تدريبه ويحضر مبارياته، وكان في الصف الأول من المشجعين، فكان الموجه والمرشد الذي يثق بتعليماته رغم ضغطه عليه في بعض الأحيان ليدفعه لتحدي نفسه وتفجير قدراته.
وبالإضافة إلى الرياضة وقع في عشق الرسم فالتحق بالنادي الصيفي للرسم، وقد تتلمذ للأستاذ محمد عبد العال الذي لم يؤطر موهبته ويطورها فحسب، بل أسهم في تطور شخصيته إذ علمه أهمية منح الحرية للآخرين وتقبل الرفض.
المسار التعليمي
مثل معظم أبناء جيل الثمانينيات التحق بالمدارس الحكومية القطرية فدرس السنوات الأربع الأولى من المرحلة الابتدائية في مدرسة ابن سينا الابتدائية، وبعدها أكمل المرحلة الابتدائية ودرس السنة الأولى من المرحلة الإعدادية في الريان الجديد، بعدها انتقلت العائلة إلى منطقة العزيزية فانتقل مضطرًا إلى مدرسة خالد بن أحمد في منطقة عين خالد، وأكمل بها المرحلة الإعدادية، وفي هذه المرحلة تحددت توجهاته واهتماماته العلمية فالتحق بالمدرسة العلمية فكان من الطلاب المتميزين على مستوى الدولة.
خلال الدراسة بمدرسة الريان، تعلق بشكل كبير بمعلم التربية الإسلامية محمد الأنصاري الذي كان جاره ومدرسه، وكان شخصًا طيبًا يهتم بأدق تفاصيل طلابه، وتربطه علاقة وثيقة بهم، وله قدرة عالية على احتوائهم، فقد كان الأنصاري لا يتردد في اصطحابه إلى البيت بسيارته الخاصة في حال صادفه في الطريق أثناء توجهه نحو الحافلة، وهو ما بنى علاقة وطيدة معه ما زالت مستمرة إلى الآن.
مهندس متدرب
تتسم قصته بروح الإيجابية والإلهام، حيث يبرز تفانيه وإصراره على تحقيق أهدافه المهنية، ففي أحد الاختبارات الشفهية الصعبة، تجلى تعاونه مع اللجنة من خلال استجابته بفعالية لطلب تأجيل المقابلة لمزيد من التحضير، ما يدل على استعداده لتطوير مهاراته ومعرفته بشكل مستمر. بالإضافة إلى ذلك، تجلى إصراره وتفانيه في المراجعة والاستعداد للمقابلة الثانية، ما أتاح له فرصة أكبر لإثبات قدراته ومهاراته. وبنجاحه في الاختبار، أظهر قدرته على التعامل مع التحديات فضلًا عن قدرته على تجاوزها بنجاح والتأقلم مع المواقف المعقدة. بالحصول على الرخصة، فإنه يتقدم بثقة نحو المراحل الجديدة في مساره المهني، مما يبرز إرادته القوية والتزامه بتحقيق النجاح والتميز في مجال عمله.
وحصل على الشهادة، وأصبح بعد ذلك مرخصًا على أربع أنواع طائرات أخرى، وواصل التدريب على كيفية الإصلاح والدمج، وهي عملية معقدة قائمة على أسس ومعايير دولية وإجراءات دقيقة تشمل دول العالم.
مدير استلام الطائرات
قصته تبرز ليس فقط حماسه وإصراره، بل وتكريسه الشديد للتخطيط والإتقان في أداء وظيفته التي تتطلب مستوى عاليًا من التركيز والدقة. من خلال التحديات التي واجهها في فترة قصيرة من توليه المنصب، استطاع استخلاص الدروس القيمة وتحويلها إلى فرص للتحسين الذاتي. بعد مواجهة التحدي الكبير مع الطائرة التي كانت تعاني من نقص، أدرك أهمية التركيز والروية، وبدأ في مراجعة وتنفيذ الإجراءات بأكثر جدية وحرص. ومن ثم نجح في تسلم سبع طائرات دفعة واحدة بنجاح، ورغم الشعور بالرهبة والخوف، فقد استطاع التعامل مع المسؤولية بثقة وتصميم.
قفزات سريعة في المسيرة المهنية
عمل بجدية وتفانٍ مع أكبر الباكر الرئيس التنفيذي السابق للخطوط الجوية القطرية، إذ وضع الباكر ثقته الكبيرة في قدرات هذا الشاب القطري ومنحه فرصًا لتولي المناصب الحساسة والتعامل مع كبرى شركات الطيران في أنحاء العالم، فقد تعلم كثيرًا من الباكر من خلال تعامله المباشر والدائم معه، حيث شاركه تجاربه وخبراته الواسعة في مجال الطيران.
من بين المهام التي أنجزها تكليفه بتولي رئاسة لجنة التقطير للقطاع الفني بالشركة، وكانت مسؤولة عن تنمية الموارد البشرية القطرية في الشركة ومواجهة التحديات التي تواجهها، بالإضافة إلى التعاون مع مختلف الإدارات لنقل المعرفة وتطوير المهارات الوطنية. مثلت هذه الفترة فرصة قيمة للمهندس لتطوير مهارات القيادة والتواصل، ولتعزيز التفاعل الإيجابي داخل الشركة وتحفيز الابتكار والإبداع في جميع المستويات.
نجاحات وإنجازات
العمل في الخطوط الجوية القطرية يفرض على الموظفين التطوير المستمر وهو عمل مليء بالتحديات والفرص، وقد تمكن خلال فترة عمله في الخطوط الجوية القطرية من تحقيق العديد من الإنجازات التي يفخر بها، فمارس دورًا مهمًا في المحافظة على سلامة الركاب، وكان المسؤول عن تسلم طائرة إيرباص A350 التي كانت الخطوط الجوية القطرية أول مشغل لها، وقد أشرف خلال فترة عمله على تسلم الشركة 180 طائرة من مختلف الطرازات، وكانت كلها في حالة ممتازة، وأشرف على تركيب أول «كيو سويت» بطائرات الخطوط الجوية القطرية التي كانت على معايير عالية وبمتطلبات كثيرة، وعين مسؤولًا عن تركيب «كيو سويت» الذي أصبح علامة مميزة للخطوط الجوية القطرية.
وكان مسؤولًا عن استلام طائرات من طراز بوينغ 787 وطائرات عدة كانت تدخل للمرة الأولى للخطوط الجوية القطرية، بالإضافة لاستلام الطائرات الخاصة برجال الأعمال.
الصعوبات والتحديات
على مدار مسيرته المهنية واجه العديد من التحديات المتعلقة بطبيعة العمل، فهو يعمل في معظم الأوقات تحت الضغط سواء ضغط الركاب أو بقية إدارات الشركة التي تسعى لتحقيق أفضل أداء وإرضاء عملائها، وفي الوقت نفسه المحافظة على حياة وسلامة الركاب، ثم إن طبيعة العمل تفرض عليه السفر بشكل مستمر، وهو ما اضطره للتوقف عن ممارسة نشاطه الرياضي في كرة السلة بنادي السد لكنه أدار وقته بشكل فعال فواظب على ممارسة التمارين الرياضية صباحًا قبل ساعات العمل، وعاد لممارسة هواية الرسم لا سيما خلال رحلات السفر الطويلة.
ولم يبدأ الضغط في حياته بعد توليه المناصب العليا، وإنما منذ مرحلة الدراسة في كلية الطيران وأيضًا في فترات التدريب، فقد برزت قدرته الاستثنائية على إدارة الوقت بفعالية والتكيف مع مختلف الظروف بإيجابية. بدءًا من فترة دراسته في كلية الطيران وخلال فترات التدريب، استطاع التعامل بشكل مثالي مع ضغوطات الدراسة والواجبات الكثيرة التي كانت تشكل تحديًا له. على الرغم من هذه التحديات إلا أنه استطاع تحقيق التوازن بين العمل الدراسي والاستمتاع بأوقات الراحة.
تلك التجارب الصعبة شكلت فرصًا لتطوير مهارات إدارة الوقت وتحسين كفاءة العمل، فأصبح قادرًا على استخدام كل دقيقة بشكل فعال وإنتاجي. بفضل هذه القدرة على إدارة الوقت، تمكن من تحمل المسؤوليات الكبيرة في حياته المهنية بثقة ويسر. من خلال التكيف مع مختلف الظروف والتحديات، أظهر قدرته على التأقلم والتكيف بسرعة، ما سمح له بتحقيق النجاح في مختلف المجالات.
واضطر لاتخاذ العديد من القرارات الصعبة والحاسمة ضمن مسؤولياته الوظيفية، إذ اضطر أكثر من مرة لرفض العديد من القطع والطائرات التي لا ترقى إلى مستوى ومعايير الخطوط الجوية القطرية والتي يكون فيها بعض النواقص ويضطر في بعض الأحيان الأخرى إلى تأجيل الاستلام، فلا تقبل الطائرة إلا بعد التأكد من أنها مناسبة لركاب الخطوط الجوية القطرية.
المهندس بدر المير: الديناميكية المتحركة
وجد القدوة في المهندس بدر محمد المير الرئيس التنفيذي للخطوط الجوية القطرية الذي تربطه به علاقة طيبة حيث كان اللقاء الأول بينهما سنة 2015 م في أحد معارض الطيران، ودار بينهما نقاش مطول بخصوص العمل، فوجده شخصًا هينًا لينًا ومستمعًا وموجهًا، وقد لمس فيه تقديره لقيمة الخبرات المحلية، ولديه حدس ممتاز بخصوص الكفاءات وتوجه نحو التقطير والاستدامة، ويعرف المهندس المير بانفتاحه على الأفكار المختلفة والآراء المتنوعة والإصغاء للجميع وبكونه صاحب خبرة كبيرة ودراية واسعة بتفاصيل القطرية، وسبق له التعامل معه في مشاريع الشركة، وقد لمس فيه الاهتمام الكبير والمتابعة اللصيقة.
ثم إن المير له إسهامات مهمة في أخذ الخطوط الجوية القطرية نحو مستوى أعلى بفضل الديناميكية المتحركة، وله بصمة واضحة في إدارة الشركة خلفًا للسيد أكبر الباكر الرئيس التنفيذي السابق الذي قاد المها نحو العالمية، وقد منحاه ثقة كبيرة وأوكلاه مهام كبرى.