

عبد العزيز الحر
أكاديمي ودبلوماسي ومدرب قطري تنقل بين التعليم والإعلام والمال والأعمال، وجعل التأليف وبناء المؤسسات محورًا لمسيرته.
النسخة الرجالية · 2024 · الصفحات 298–309
سعادة الدكتور عبد العزيز بن محمد الحر، مدير المعهد الدبلوماسي بوزارة الخارجية، ومدير سابق لمركز الجزيرة للتدريب الإعلامي ومكتب التطوير المؤسسي في شبكة الجزيرة. جمع بين التعليم والتدريب والإعلام والدبلوماسية والتأليف وريادة الأعمال.
الطفولة والنشأة
ولد وسط عائلة قطرية تقليدية محافظة وكان ترتيبه الرابع بين أحد عشر أخًا وأختًا كانوا كلهم من الطلاب المتميزين وثلاثة منهم يحملون شهادة الدكتوراه وثلاثة يحملون شهادة الماجستير.
كان لعديد من العوامل دور كبير في بناء شخصيته ورسم طريق النجاح أمامه أولها حفظه للقرآن الكريم، حيث إنه حفظ ثلثه في المساجد ومراكز تحفيظ القرآن التي تشرف عليها وزارة الأوقاف، وهو ما جعله شخصًا فصيحًا طليق اللسان وصاحب ذاكرة قوية وقدرة على البيان بالإضافة إلى التحلي بالأخلاق الحميدة والتميز في المواد الأدبية، لا سيما اللغة العربية.
أما العامل الثاني أو المحطة الثانية في مرحلة الطفولة فكان دخوله إلى المسرح الذي كان متاحًا في المدارس، والذي طور لديه قدرات التعبير عن الذات ومواجهة الجمهور وروح العمل الجماعي، ورغم أنه لم يحترف التمثيل إلا أنه استفاد بشكل كبير من هذه التجربة.
والعامل الثالث هو الطابور الصباحي وما رافقه من أنشطة عززت لديه مهارات الخطابة والتحدث والإلقاء أمام الجماهير فكان من الطلبة الذين يحرصون على المشاركة فيه بشكل كبير.
والعامل الرابع هو حفظ الشعر والمشاركة في المطارحات الشعرية حيث كان عاشقا للشعر حافظًا لعدد كبير من القصائد والأبيات لكبار الشعراء من العصر الجاهلي والحديث، وقد طور خلال هذه الفترة مهارة فصاحة اللسان بالإضافة إلى إثراء زاده اللغوي فكان متقدمًا على زملائه من حيث ثراء التعابير والاستعارات والبيان، وانتهت به الفترة بمحاولات للكتابة الشعرية في مجال الشعر السياسي.
مرحلة الثانوية
رغم كون مرحلة الثانوية العامة مرحلة قصيرة إلا أنها كانت حافلة بالأحداث ومليئة بالمحطات المهمة في مسيرته العلمية والمهنية، المحطة الأولى نظام الترفيع الذي يسمح للطالب باجتياز سنتين في سنة واحدة في حال رغبته، وبالفعل فقد قرر أن يجتاز السنتين الأولى والثانية ثانوي في القسم العلمي خلال سنة واحدة ودرس الثانية في فترة الصيف لمدة شهرين، وتقدم في ذلك الوقت 12 طالبًا للاستفادة من هذا النظام، ولم يستمر إلى مرحلة الاختيارات إلا ثلاثة طلاب، لم يتقدم لها سوى طالبين، ولم يجتزها سوى طالب مميز واحد، وهو ما جعله يشعر بفرحة عارمة لأن التحدي كان كبيرًا نظرًا لدراسته لمنهج علمي مكتمل الأركان يختزل فترة ثمانية أشهر في شهرين، وهو الأمر الذي جعل أهله يشفقون عليه، ولم يشجعوه على الإقدام على هذه الخطوة، حيث كانوا يأملون أن يستمتع بإجازة الصيف، وحتى معظم المعلمين لم يشجعوه على دخول النظام خوفًا عليه من الإحباط الذي قد يصيبه في حال فشل في الاختبار لدرجة أن أحد المدرسين في دروس التقوية طلب منه التوقف عن الدراسة والاستمتاع بالإجازة نظرًا لكون اجتياز الصف الثاني في شهرين شبه مستحيل، لكن إصراره وإقدامه دفعاه لتجاوز هذه النصائح وخوض التحدي ورد على المعلم ببيت شعر:
وبالفعل استمر في الدراسة، وحصل على دعم كبير من بعض زملائه، وحقق النجاح الذي يصفه بأنه كان من أحلى النجاحات التي حققها في حياته العلمية والمهنية وأعطته ثقة كبيرة بنفسه ساعدته على النجاحات التي تلت.
النشاط الرياضي والثقافي والعلمي
في هذه المرحلة كان نشيطًا بشكل كبير في المراكز الشبابية والأندية الرياضية، وقد تسلم أول المسؤوليات القيادية في مرحلة مبكرة من سن الشباب حيث كان عضوًا بنادي قطر الرياضي وأحد المسؤولين عن النشاط الثقافي في النادي والذي كان من أنشط الأندية في المجال الثقافي، وهو ما وسع معارفه ومداركه، وأعطاه مهارات قيادية بشكل كبير، وعند اجتيازه للمرحلة الثانوية بنسبة عالية اختار دخول كلية التربية وبعد انتهاء السنة الأولى استدعاه عميد الكلية عبد الفتاح سعود وقال له «أمثالك لا يدخلون كلية التربية»، ورد عليه «إذا كان أمثالي لا يدخلون كلية التربية، فمن سيبقى لكليات التربية؟»، ودرس في كلية التربية إلى أن تخرج، وأصبح معيدًا في الجامعة ثم أستاذًا بها، وهو ما جعل العميد يعبر له عن مدى فخره به، وذكره بالحوار الذي دار بينهما سابقًا بخصوص مستقبله العلمي والأكاديمي.
وأثناء دراسته الجامعية تمكن أيضًا من تأسيس الجمعية الكيميائية، وهي أول جمعية تخصصية في تاريخ جامعة قطر وواجهت العديد من الصعوبات والتحديات ولكنها رأت النور أخيرا، وترأسها بعد ذلك.
الجوالة والحركة الكشفية
أفادته الجوالة والحركة الكشفية بشكل كبير جدًا حيث كان عضوًا نشطًا في حركة جوالة جامعة قطر وحصل على الشارة الخشبية، وكان قائدًا للجوالة في الجامعة، ومثل جامعة قطر على مستوى دول الخليج وعلى المستوى العربي، وقد تعلم خلال هذه المرحلة، ومن هذه التجربة الاعتماد على الذات وفن القيادة والعمل الجماعي إضافة لاكتساب مجموعة من القيم الكشفية والمهارات الاجتماعية وتوسيع دائرة العلاقات مع الشباب القطري والخليجي والعربي وفي ذلك الوقت كان مشرفًا على النشاط الشبابي في مركز شباب الدوحة الذي كان يعد من أنشط المراكز الشبابية في دولة قطر.
الجامعة
في المرحلة الجامعية أسس أول فرقة للإنشاد القطري، وهي أول فرقة قطرية للإنشاد، أصدرت أول إصداراتها بعنوان الشروق، وأنشد فيه المنشد عقيل الجناحي وعبد الرحمن القرضاوي وفهد الدرويش وأحمد وعبد الله الزيارة وعبد الحميد محمود. المرحلة الجامعية بما فيها من أنشطة واكتساب مهارات كونت شخصيته الاجتماعية والقيادية، وأتاحت له فرصًا نادرة استفاد منها كثيرًا وأهلته ليكون معيدًا في كلية التربية بجامعة قطر.
مرحلة الإعادة
رغم كون الإعادة حلمًا تحقق على أرض الواقع وطموحًا خطط له، وعمل جاهدًا للوصول إليه إلا أنه فور دخوله المجال العملي فوجئ بالمهام المحدودة والدور المحدود للمعيد، ووجد أنها مرحلة انتقالية ليس فيها كثير من النمو والتعلم، وقرر بعدها الاستعجال في بدء دراسة الماجستير وقدم أوراقه لمواصلة الماجستير بشكلٍ مباشر وحصل على القبول من أمريكا إلا أن نظام الجامعة كان يتطلب أن يقضي المعيد مزيدًا من الوقت قبل البدء بدراسة الماجستير الأمر الذي تم تصعيده لوكيل الجامعة في ذلك الوقت الدكتور جابر الحميد الذي استدعاه ليستفسر منه عن سبب استعجاله لدراسة الماجستير رغم أنه ما زال في مرحلة مبكرة من التعيين، لكن المعيد أكد له أنه لم يستفد من مرحلة الإعادة بسبب غياب التأهيل والتدريب الحقيقي، فاشترط عليه وكيل الجامعة حصوله على قبول من إحدى الجامعات المعتبرة ليوافق له على مواصلة الماجستير، وكان بالفعل قد سبق له مراسلة الجامعات، وحصل على القبول فما كان منه إلا أن أحضر ورقة القبول في اليوم التالي، وهو ما جعل الوكيل يتفاجأ لأنه كان يتوقع أن تأخذ هذه العملية فترة طويلة لكنه وجد نفسه مجبرًا على الوفاء بوعده والسماح له بمواصلة الماجستير بشكل مباشر، وطلب منه موافاته بتفاصيل دراسته في الماجستير فكانا يلتقيان كل نهاية فصل دراسي ليعرض عليه ما درسه والأبحاث التي أجراها في تلك الفترة.
منعطف يأخذه لعالم الكتابة
من المواقف العالقة في ذاكرته أنه في إحدى المرات وقعت عينه على مجموعة من الكتب التي هي في اختصاص وكيل الجامعة ومن باب العرفان بالجميل اقتنى المعيد الشاب مجموعة الكتب وأهداها لوكيل الجامعة الذي رفض قبول الهدية العلمية، وأصر على دفع ثمنها وقال له «لن أقبل منك أي كتاب هدية إلا إذا كنت أنت مؤلفه»، وبالفعل دفع وكيل الجامعة قيمة الكتب، وأهدى له جميع كتبه الشخصية، وقد زرع فيه هذا الموقف طموحًا جديدًا، وهو أن يصبح كاتبًا ومؤلفًا، وأصبح هذا الطموح همًا ورغبةً وهاجسًا.
الماجستير
تمكن من الحصول على الماجستير في فترة زمنية قياسية وبتفوق كبير ومعدل مرتفع، وفي نهاية البرنامج كان قد جهز تصورًا لرسالة الدكتوراه، وهو ما فتح أمامه أبواب العديد من الجامعات، وقد حصل على القبول من إحدى أهم الجامعات البريطانية وهي جامعة درهم البريطانية العريقة، والتحق بها في سنة تخرجه من الماجستير سنة 1993 م.
مرحلة الدكتوراه: مواقف وعبر
تمكن من إنجاز رسالة الدكتوراه في مرحلة قياسية، وكانت تجربة ثرية، وكان هناك العديد من المواقف والذكريات الباقية التي أثرت بشكل كبير في حياته العلمية والمهنية وفي طريقة تفكيره. الموقف الأول نصيحة من المشرف على الرسالة خلال اللقاء الأول، وهي أن يكتب فصول بحثه بطريقة واضحة وبسيطة وميسرة وبلغة جامعة مانعة يفهمها الطفل ذو السبعة أعوام، وقد أصبحت هذه النصيحة معيارًا تبناه في مرحلة الدكتوراه وما بعدها، حيث إنه يأخذ بعين الاعتبار جميع القراء بمختلف مستوياتهم ولا يحاول الاستعراض والتعقيد في الكتابة والتأليف بأي شكل من الأشكال.
الموقف الثاني الذي استفاد منه رغم كونه موقفًا سلبيًا، وقد حصل معه في بداية كتابته لبحث الدكتوراه حيث أنجز فصلين من فصول رسالة الدكتوراه في فترة قياسية لا تتجاوز الشهرين، وهو ما جعله يشعر بنوع من الغرور، وعرضهما على المشرف الذي قال له كلمة صادمة وهي «لقد أضعت وقتي» بقراءة هذه الفصول، وهو ما جعله يشعر بالصدمة لا سيما أنه لم يتعود على الفشل، وطلب منه اختصار 150 صفحة في خمس صفحات إذا كان يرغب في الاستمرار في البحث مع المشرف، وكانت صفعة وكارثة ومصيبة كبرى، وتحديًا كبيرًا حتى إنه لم يتمكن من الاقتراب من القلم والورقة أكثر من أسبوع، ولكن بعد ذلك حاول أخذ الأمر بشكل إيجابي، وقد اختصر العمل في ثماني صفحات، وعند اللقاء الثاني أعرب المشرف عن رضاه عما تم إنجازه، وكانت البداية المناسبة للبناء عليها، ومنذ ذلك اليوم أصبح لا يكتب إلا بميزان الذهب، ويركز على الكتابة ذات المعنى وقد استفاد من هذا الدرس في جميع كتاباته لاحقًا.
الموقف الثالث الذي سبق موعد مناقشة رسالة الدكتوراه بأيام قليلة التقى بالمشرف للاطمئنان على سير المناقشة وما توقعاته وكيف يجب عليه الاستعداد للمناقشة لكن المشرف لم يعطه أي تغذية راجعة إيجابية أو سلبية، واكتفى بالقول إنه يفترض به أن يكون جاهزًا لأي نوع من الأسئلة وإنه ليس لديه أي توقعات حول مجرى المناقشة، وطلب منه تحمل المسؤولية الكاملة حول ما كتب وسطر في رسالته الدكتوراه، ويجب عليه أن يدافع عن منهجية ونتائج الدراسة بطريقة علمية، وهو ما حمله مسؤولية نفسية كبيرة، ولكن بعد انتهاء المناقشة وإجازة الرسالة بدون تعديلات شعر بقيمة المشرف الذي جعله مسؤولًا عن كل حرف جاء في الرسالة، وهي صفة استمرت معه بقية حياته العملية، وفي شتى مجالات الحياة.
وكانت الرسالة قد اعتمدت على أدوات عدة لجمع المعلومات الكمية والكيفية، واستمرت مدة سنتين وأربعة أشهر وتعتبر مدة قصيرة جدًا لإنجاز هذا النوع من الدراسات حيث إن الحد الأدنى للدراسة هو ثلاث سنوات مما استدعى أن يخاطب المشرف الإدارة العليا للجامعة طالبًا منها السماح للباحث بمناقشة رسالته التي استوفت جميع الشروط والمتطلبات العلمية وقدم توصيته بجاهزية الباحث للمناقشة، وبالفعل أنجز مرحلة الدكتوراه في أقصر فترة زمنية ممكنة، وعند العودة إلى قطر لم يكن يستوعب قيمة إنجازه، وقد هنأته الصحف القطرية، ونشرت خبر أصغر باحث قطري يحمل شهادة الدكتوراه.
مرحلة التدريس في جامعة قطر
أول وظيفة حقيقية تسلمها بعد تخرجه كانت في قسم المناهج وطرق التدريس في تخصص المناهج العلمية، وبدأ التدريس في جامعة قطر، ووقتها تزايد اهتمامه بموضوع التدريب فكان معلمًا ومدربًا في الوقت نفسه، وقد اختار التدريب في مجال القيادة بحكم الخبرات التي مر بها ورغبته في دخول المجال، وهذا الاختيار كان له تأثير وصدى في المستقبل، وبدأ يبتعد شيئًا فشيئًا عن المناهج، ويقترب من القيادة والتخطيط الاستراتيجي والعمل المؤسسي بشكل كبير.
في هذه المرحلة تزايد اهتمامه بالكتابة والتأليف والنشر، وقد كتب بالفعل عمله الأول بعنوان (كيف تفكر النخب القطرية في تطوير التعليم؟)، وبعد ذلك ألف كتاب (مدرسة المستقبل)، وهو الكتاب الذي صنع له اسمًا في مجال التعليم وتعليم المستقبل، وقد ألفه في الفترة التي كان يعمل أستاذًا زائرًا في جامعة أكسفورد، وقد استفاد من المكتبات والمراجع والأساتذة في الجامعة التي ساعدته كثيرًا على إصدار هذا الكتاب المميز.
بعد ذلك أصدر كتابًا بعنوان «التربية والتنمية والنهضة»، ناقش فيه أي تربية لأي تنمية وأي تنمية لأي نهضة، وقد حصل الكتاب على جائزة عالمية، وبعد ذلك صدر له (أدوات مدرسة المستقبل) التي قدمت مجموعة كبيرة من الأدوات العملية للعاملين في المجال التربوي والتعليمي على مستويات عدة، وأصدر أيضًا مجموعة من الكتب الأخرى في مجالات متنوعة.
من جامعة قطر لوزارة التربية والتعليم
بعد فترة من العمل في جامعة قطر انتقل للعمل في وزارة التربية والتعليم بمنصب وكيل مساعد للتخطيط والمناهج ومدير للمكتب الفني لتطوير التعليم، وقد كانت هذه الفترة من أنشط المحطات في حياته بدأت بمقابلة شخصية مع صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني قبل تعيينه كوكيل وزارة مساعد للتخطيط والمناهج، واستمرت المقابلة لمدة 45 دقيقة طرح خلالها مجموعة من المواضيع والقضايا في مجال التعليم، وعلقت في ذاكرة مقولة مهمة قالها صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وهي «أنتم مقبلون على مرحلة تغيير كبيرة جدًا وتوقعاتنا عالية جدًا، وإذا لم يترتب على التغيير الذي ستقومون به ردود فعل فأنتم لم تغيروا»، فاستعجب من هذا التوجيه حيث إن صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني لم يكتف بطلب التغيير بل التغيير النوعي حتى لو كانت هناك ردود فعل في المجتمع التي يعتبرها مقياسًا للنجاح، وليس شيئًا سلبيًا لأن التغيير الذي لا يحدث ردود فعل هو تغيير روتيني ونمطي وجزئي وسطحي لا يؤدي إلى نتائج استثنائية، هذه العبارة تبناها هو وصارت منهجًا في حياته لأن التغيير الجذري يعني الاستعداد لردود الفعل التي قد تكون في بعض الأحيان في شكل مقاومة أو رفض أو تشكيك أو غيرها من ردود الفعل.
هذا اللقاء والفترة التي تلته كانت محطة مهمة جدًا في مسيرة الدكتور الشاب الذي استطاع أن يحول بعض الأفكار لمشاريع على أرض الواقع من خلال الاستراتيجية الجديدة ومشروع المدارس العلمية للبنين والبنات التي خرجت أجيالًا قادرة على دخول أفضل الجامعات والتميز فيها. أسس كذلك ورشة لصنع الأجهزة منخفضة التكاليف وتطوير المناهج، وقد بلغ عدد المشاريع في هذه الفترة 28 مشروعًا تم تقديمها للتعليم في عهد الدكتور محمد عبد الرحيم كافود الذي كان وزيرًا للتعليم والتعليم العالي في تلك الفترة.
من وزارة التربية والتعليم إلى المركز العربي للتدريب التربوي في الخليج
من وزارة التربية والتعليم إلى المركز العربي للتدريب التربوي في الخليج
بعد قضاء سنوات من العمل في وزارة التربية والتعليم، وبعد تنفيذ عدد كبير من البرامج التي أسهمت بشكل كبير في تطوير التعليم في دولة قطر انتقل للعمل في المركز العربي للتدريب التربوي في الخليج المسؤول عن تقديم البرامج التدريبية والتعليمية للقيادات التعليمية في دول الخليج، وخلال هذه الفترة قدم العديد من المبادرات والمشاريع التي أسهمت في تطوير القيادات التربوية والميدانية في المجالات المختلفة. عمل المركز على تبني استراتيجيات جديدة وحديثة في التدريب والتطوير تتوافق مع أحدث التوجهات العالمية في هذا المجال. ومن أهم المشاريع التي تم إنجازها مشروع تطوير مهارات التفكير ومشروع الحقائب التدريبية في المجالات المختلفة وإصدار العديد من الكتب والمقاييس العلمية والنشرات العلمية مثل «نتعلم معًا» وغيرها من الإصدارات التربوية. على المستوى الشخصي، قرر الانتقال إلى مرحلة الاحتراف في مجال التدريب، وحصل على شهادة دولية في التدريب الاحترافي، وبدأ العمل على تطوير الأدلة والبرامج التدريبية على المستوى الداخلي والإقليمي فأعد برنامج «الخطوة الأولى» لمؤسسة قطر، وبرنامج «قادة الغد» لمؤسسة صلتك، وبرنامج «الطريق» لمؤسسة قطر الخيرية وغيرها من البرامج النوعية، وأصبح مدربًا باللغتين العربية والإنجليزية في المؤسسات التعليمية والشركات التجارية في العديد من المجالات القيادية والتعليمية، وتعد هذه المرحلة من أهم المراحل التي كونت جانبه الاحترافي في مجال التدريب والتطوير.
الانتقال إلى شبكة الجزيرة
بعد أن قدم ما يمكن تقديمه للمركز العربي للتدريب التربوي قرر أن يرحل إلى مهمة أخرى في مجال جديد مختلف تمامًا عن المجال التعليمي والتربوي فغادر للعمل في مجال الإعلام بقيادة مركز الجزيرة الإعلامي للتدريب والتطوير واستلم إدارته فور تأسيسه، وقد أسهم خلال فترة إدارته في إيصال اسم الجزيرة للعالمية والانتقال من كون الجزيرة مجرد قناة إخبارية فضائية إلى أن تصبح مدرسة إعلامية لها مبادئها وقيمها وممارستها وتجربتها.
فمنذ تأسيس مركز الجزيرة الإعلامي للتدريب والتطوير مثل المنصة الأساسية لنقل تجربة الجزيرة في الصحافة التلفزيونية للشباب وللقيادات الإعلامية التي ترغب في تغيير المشهد الإعلامي في العالم العربي، وأخذ على عاتقه مسؤولية تأسيس نموذج إعلامي يحمل روح الجزيرة وقيمها وممارساتها إلى عوالم أوسع وأرحب.
وقد واجه تحديات عدة في سبيل تحقيق هذا الهدف، ومن بينها تحدي خبرة التدريب: وتتمثل في القدرة على نقل الخبرات من نجوم الجزيرة إلى الشباب العربي الطموح، وتحدي متانة المنهج: ويتمثل في بناء المنهج الذي يمثل مدرسة الجزيرة، أما التحدي الثالث فهو قوة الكادر: ويتمثل في الحاجة لإعداد طواقم من المدربين والفنيين لصناعة التدريب وإدارته.
وقد عمل على تذليل هذه التحديات وتحويل حلم تأسيس مدرسة عربية في الصحافة التلفزيونية إلى واقع وهو بالفعل ما تم تحقيقه وإنجازه في الفترة من 2007 إلى 2012 فقد تم بناء مجموعة من البرامج الخاصة بالجزيرة من حيث الشكل والمحتوى، فكانت مناهج مميزة تم بناؤها بطريقة علمية وإخراج مميز يتناسب مع ما تمثله الجزيرة من خبرة ومعرفة وأداء في مجال الصحافة التلفزيونية وغيرها من المجالات الإعلامية.
وقد تبنى ما كان يطلق عليه في تلك الفترة «إعلام العمق»، ونجح في تحويل المصطلح إلى خطط وبرامج ومناهج تدريس على أرض الواقع لأنه كان يؤمن بأن «المعرفة قوة والمعرفة حق»، وأن الجزيرة مهمتها إعطاء حق القوة لكل من يرغب في دخول عالم الصحافة بشتى أنواعها.
من الإعلام إلى المال والأعمال
ومرة أخرى يغادر منصبه في الجزيرة بعد أن أدى رسالته وقدم خبراته في تطوير مركز الجزيرة إلى مجال آخر بعيد عن الإعلام والتعليم ليشغل منصب الرئيس التنفيذي لأكاديمية قطر للمال والأعمال، وهو انتقال جذري في المجال والمهام، وكانت مرحلة مهمة ركز خلالها العمل على تطوير الكوادر والقدرات في القطاع المالي والمصرفي الذي كان بحاجة ماسة للكوادر القطرية المؤهلة. نفذت خلال هذه المرحلة مجموعةٌ من البرامج النوعية على غرار برنامج (كوادر) الذي خرج مجموعة كبيرة من الشباب القطري للقطاع المالي والمصرفي الذي كان يعاني من نقص الكوادر القطرية وبرنامج (الرئيس التنفيذي المستقبلي) الذي خرج مجموعة من القيادات الشبابية لتأهيلهم لشغل المناصب القيادية، وبالفعل تمكن مجموعة كبيرة منهم من الوصول لهذه المناصب، وهو ما يدعو للفخر والاعتزاز. أسس كذلك فرعًا لجامعة نورث أمبريا البريطانية في قطر وانطلقت البرامج المالية والمصرفية والأعمال مع هذه الجامعة المميزة.
الختام مع العمل الدبلوماسي
في مطلع عام 2018 م، حطت طائرة رحلة العمل على مدرج الدبلوماسية القطرية محملة بإرث مكتسب في العمل المهني المرتبط بالدبلوماسية، فوجد أمامه محطة مختلفة تزخر بالسمو لتكون هي آخر المحطات في مسيرته العملية حيث شغل درجة سفير ومنصب مدير المعهد الدبلوماسي في وزارة الخارجية، وهو مجال مختلف تمامًا عن كل المجالات السابقة ويتطلب علاقات مهنية مختلفة وتقديم برامج مختلفة لخدمة شريحة مختلفة تمامًا عن جميع القطاعات والمجالات التي عمل فيها سابقًا، وهو ما تطلب قدرة عالية على التكيف والتعلم، وهو فن يجيده الذي تنقل خلال مسيرته المهنية مرات عدة في مجالات لا يكاد يربط بينها رابط. ولكن قدرته على التكيف والتعلم ساعدته على قيادة هذه المؤسسات وتقديم القيمة المضافة في كل عمل يقوم به ويكون مسؤولًا عنه. في المعهد الدبلوماسي قدم مجموعة من المبادرات والمشاريع الخاصة بصناعة الدبلوماسي وصولا لتقديم برامج الماجستير التنفيذي بالتعاون مع أرقى الجامعات مثل جامعة جورج تاون ومعهد الدوحة للدراسات. ولم يدخر جهدًا أو وقتًا من أجل الارتقاء بصناعة الدبلوماسي فأجرى اتصالات ووقع اتفاقيات مع معظم معاهد التدريب المهمة في العالم، وبدأت زيارات العمل من المتدربين القطريين إلى تلك المعاهد بما أكسبهم معارف في المجال الدبلوماسي أسهم في أن يكون الدبلوماسي القطري من أنجح الدبلوماسيين في قيادة المفاوضات وإدارة الأزمات كما شهدنا في أزمات ساخنة بإفريقيا وأوروبا وآسيا وأزمة كوفيد-19.
عمل على تطوير المعهد وترك لكل مبدع أن يقدم إبداعه واستعان بخبرات مؤسسية خارجية لتقديم دورات تدريبية عالية المستوى سواء من الجزيرة أو كفاءات من بيوت الخبرة في الدولة.
تكثيف التأليف
في هذه المرحلة عمل على زيادة رصيده من الإنتاج العلمي حيث ألف مجموعة من الكتب منها كتاب «الدبلوماسية والقيادة والقوة»، وكتاب «التعاون الإنمائي»، وكتاب «تحليل خطابات حضرة صاحب السمو منذ توليه مقاليد الحكم إلى آخر خطاب ألقاه في مجلس الشورى المنتخب عام 2022»، وكتاب «العلاقات القطرية الصينية»، وكتاب «العلاقات القطرية اليابانية» وذلك بمناسبة مرور خمسين سنة على هذه العلاقات، إضافة إلى إصدار كتاب حول كتابة التقارير السياسية والاقتصادية ومجموعة كبيرة من الإصدارات التي يفخر بها.
وما بين مرحلتي العمل في الأكاديمية والمعهد الدبلوماسي أصدر كتابًا حول النظرية الاحتوائية في السياسة الخارجية، وهي نظرية جديدة في مجال العلوم السياسية تعد امتدادًا لنظرية القوة الناعمة وتم تطبيقها على السياسة الخارجية لدولة قطر، ونشر بعد ذلك مجموعة من المقالات والبحوث ورسائل الماجستير والدكتوراه حول هذه النظرية وتطبيقاتها.
وعمل على تطوير مجلة (الدبلوماسي) لكي تكون مجلة متخصصة في طرح ملفات ذات أثر وفائدة للدبلوماسي فتناول ملفات (حصار قطر) والدبلوماسية الوقائية والدبلوماسية الرياضية والدبلوماسية الاقتصادية والآسيان والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي وأمريكا الجنوبية، فزخرت أعداد المجلة بنصيب وافر من المعارف التي ترفع من قيمة المعلومة التي يحتاجها الدبلوماسي.
الجوائز والتكريمات
خلال هذه المسيرة الحافلة في المجالات المختلفة حصل على مجموعة من الجوائز والأوسمة التي يفخر بها منها جائزة الدولة التشجيعية عن مجال التعليم في نسختها الأولى، وجائزة علي بن عبد الله العالمية عن كتاب التربية والتنمية والنهضة، وجائزة المنظمة الأوروبية للجودة، وجائزة الاتحاد الدولي للأعمال والقيادة. كل هذه الجوائز وغيرها كانت تقديرًا لجهود وإنجازاته في المجالات العلمية والعملية التي عمل بها خلال مسيرته المهنية.
المواقف واللحظات الفاصلة
العديد من المواقف التي رسمت مسيرته العلمية والمهنية والعملية في حياته بشكلٍ عام، أولها قرار دخول كلية التربية التي حددت مساره العلمي والعملي الذي يفخر به ويتفق مع ميوله واهتماماته، واختياره شريكة حياته التي رافقته في مسيرته المهنية والحياتية بحلوها ومرها وكان لها دور إيجابي كبير في نجاحه وتميزه. إضافة لتربية أبنائه الخمسة أفضل تربية وتميزهم كل في مجاله وبشخصيته.
العمل الجامعي والأكاديمي كان أيضًا مرحلة مهمة في حياته وجهت اهتماماته وطورت قدراته في الجانب العملي والأكاديمي، نتج عنها أكثر من عشرين مؤلفًا من بحوث ودراسات وكتب ومقالات علمية سيبقى أثرها لفترات طويلة من العمر.
تجربة العمل في وزارة التربية والتعليم في منصب قيادي كوكيل مساعد في مرحلة مبكرة من حياته المهنية أعطته الكثير من الخبرات والعلاقات والتحديات وكانت مدرسة تعلم منها ونهل.
بعيدًا عن المناصب والوظائف الحكومية اهتم بريادة الأعمال والعمل الخاص وأسس مجموعة من الشركات التي عززت لديه من قدراته القيادية وأسهمت في تحقيق مجموعة من طموحاته الشخصية في هذا المجال، فمهارات العمل في القطاع الخاص تختلف عن مهارات العمل في القطاع الحكومي وما يتطلبه النجاح في القطاع الحكومي يختلف تمامًا عما يتطلبه النجاح في القطاع الخاص.
والعائلة
د. الحر والعائلة
كون عائلة مستقرة ومتوازنة من خمسة أبناء ناجحين في اختصاصات مختلفة: غادة ومحمد وعبد الله وحمد وفيصل. تعمل غادة، وهي الابنة الكبرى، في المصرف المركزي، ولديها طفلان: عبد العزيز الذي سمته على اسم جده، وعليا. أما محمد فتخرج في جامعة كارنيجي ميلون، ويعمل في جهاز قطر للاستثمار، وحصل على شهادة CFA الدولية في الاستثمار. وتخرج الابن الثالث عبد الله في الجامعة نفسها، ويعمل ضابطًا بوزارة الداخلية. أما التوأم حمد وفيصل فيدرسان في جامعة ليفربول البريطانية؛ الهندسة لحمد والإدارة لفيصل.